تيروبي :قلب افريقيا
في تمام الساعة الرابعة من مساء الثلاثاء الموافق الثاني والعشرين من عام 1974، إنطلق صوت عبر محطة قونيو Gunio للإرسال الإذاعي البالغ قوتها 5 كيلووات، وكانت تتبع للإتصالات السلكية واللاسلكية المملوكة لوزارة المواصلات الإتحادية في السودان .
إنطلق صوت المذيع في بث تجريبي قائلاً: “هنا جوبا إذاعة الإقليم الجنوبي لجمهورية السودان” باللغة العربية وتبعه صوت آخر باللغة الإنجليزية كان صوت وزير الثقافة والإعلام الراحل توبي مادوت فريك This is JUBA Radio.

مصطفى بيونق
وتوجّهنا بعد نجاح التجربة، إلى مكتب السيد أبيل ألير نائب رئيس الجمهورية ورئيس المجلس التنفيذي العالي للإقليم الجنوبي HEC لتنويره بما أُحرز من نجاح في البث التجريبي للإذاعة عبر محطة قونيوGunio للإرسال الإذاعي.
وتم الإستماع للبث بواسطة جهاز ترانزيستور Transistor وكان خبراً كبيراً ومفرحاً لسيادة نائب رئيس الجمهورية ـ ووافق على مواصلة البث الإذاعي، وطلب من الوزير دكتور توبي مادوت إجراء ترتيبات لنقل خطابه أمام مجلس الشعب الإقليمي الأول 1977/1973 يوم الجمعة الموافق الخامس والعشرين إكتوبر 1974، وهو خطاب يوضح فيه تفاصيل مشروع قناة جونقلي الذي رفضه شعب جنوب السودان؛ حيث إنطلقت مظاهرات طلاب المدارس بقيادة مدرسة جوبا التجارية الثانوية إلى جانب بعض المواطنين وبالإضافة إلى بعض مدن جنوب السودان في الخامس عشر من إكتوبر 1974 إحتجاجاً على حفر قناة جونقلي بواسطة الحكومة المصرية.
وتصدّت لها الشرطة بعنف ما أدى إلى مقتل ثلاثة من المتظاهرين بنيرانها وإعتقال العديد منهم. وضمت قائمة المعتقلين قادة سياسيين وطلّاب من مدرسة جوبا التجارية كان أبرزهم تيلار رينج الذي كان يقود المظاهرات.
خلفية تأسيس إذاعة جوبا عام 1974
المرحلة الأولى: أسباب النشأة
تعود فكرة إنشاء إذاعة جوبا إلى عهد الشهيد جوزيف أوكيل قرنق وزير شؤون الجنوب 1969 – 1971 الذي أعدمه الرئيس الراحل جعفر نميري في الثامن والعشرين من عام 1971 في أحداث إنقلاب الرائد هاشم العطا في يوليو 1971.
وعقب إعلان بيان التاسع من يونيو 1969 تبنّت ثورة مايو (1969 – 1985) الحكم الذاتي الإقليمي لجنوب السودان. وأُنشئت وزارة خاصة بجنوب السودان سُميت بـ “وزارة شؤون الجنوب” وكان ضمن مهامها إنشاء إدارات متخصّصة من بينها التعليم، الشباب، الإقتصاد، والعلاقات العامة والإعلام التي ضمت شعبة الإذاعة والتليفزيون علاوة على الصحافة والمطبوعات. واهتمت شعبة الإذاعة والتليفزيون بتغطية أنشطة الجنوب وبثّها عبر وسائل الإعلام القومية.
المرحلة الثانية
عقب اتفاقية أديس أبابا 1972 وتكوين المجلس التنفيذي العالي للإقليم الجنوبيHEC برئاسة مولانا أبيل ألير، تم تكوين وزارات إقليمية حسب ما ورد في بنود الإتفاقية من بينها وزارة الثقافة والإعلام والسياحة برئاسة الوزير اينوك مدينق دي قرنق.
مشروع إذاعة جوبا:
كان مشروع إذاعة جوبا ضمن المشروعات التي أعدّتها وزارة الإعلام والتي إضطلعت بمهمة إجراء دراسة جدوى لإنشاء إذاعة مستقلة خاصة بالإقليم الجنوبي لا ترتبط بإذاعة أم درمان. وانحصر دورها في تغطية كافة أنشطة حكومة الإقليم بالتعاون مع بعثات الإذاعة القومية في أم درمان التي كُلّفت بمهام تغطية أنشطة حكومة الإقليم الجنوبي وتنفيذ اتفاقية أديس أبابا 1972 من مدينة جوبا.
واستمر قسم الإذاعة بوزارة الثقافة والإعلام في تغطية أنشطة الحكومة الإقليمية وبثّها عبر إذاعة أم درمان ووكالة السودان للأنباء (سونا) خلال نشرات الأخبار والنشرة اليومية لسونا إلى جانب الرسائل الصوتية سُمّيت “رسالة الإقليم الجنوبي”. وكما أسلفت، بدأت إذاعة جوبا بثّها عبر محطة الإرسال الإذاعي التابعة لهيئة المواصلات السلكية واللاسلكية بقونيو Gunio بقوّة 5.5 كيلووات على الموجة المتوسطة MW.

خطاب السيد أبيل ألير حول قناة جونقلي
بعد نجاح البث التجريبي من محطة قونيو Gunio في الثاني والعشرين من إكتوبر 1974، وجّه السيد وزير الثقافة والإعلام دكتور توبي مادوت فريك نقل خطاب السيد أبيل ألير نائب رئيس الجمهورية ورئيس المجلس التنفيذي العالي للإقليم الجنوبي عبر الإذاعة أمام مجلس الشعب الإقليمي الأول 1973 – 1977 يوم الخميس الموافق الرابع والعشرين من إكتوبر 1974. وشكّل الأمر تحديّاً كبيراً لنا لعدم وجود أُستديو إذاعي مهيا بشكل جيد، ولكن بالمقابل كان لدينا جهاز تسجيلات خارجية ذو إمكانات هائلة قادر على القيام بالنقل الخارجي عبر الهاتف ومحطة الإرسال تسمى Nagra. وأجرينا تجربة بمساعدة لفيف من المهندسين والفنيين التابعين لهيئة المواصلات السلكية واللاسلكية بقيادة المهندس شريف عبده مدير محطة الهيئة بالإقليم الجنوبي والفني المتخصّص في مجال النقل عبر الإذاعات الخارجية، لوكا. وكانت التجربة ناجحة للغاية.
ووجّهت الإذاعة عبر مكبرات الصوت نداءً إلى المواطنين مفاده أن نائب رئيس الجمهورية أبيل ألير سيلقي خطاباً هاماً أمام مجلس الشعب الإقليمي الأول بمقر البرلمان المؤقت “قاعة الإجتماعات” ببلدية جوبا ويتم بثّه مباشراً عبر راديو جوبا في يوم الخميس الموافق 24 إكتوبر 1974 حوالي الساعة العاشرة صباحاً.
وألقى السيد أبيل ألير خطابه التاريخي أمام البرلمان منقولاً على الهواء مباشرة من إذاعة جوبا، تناول فيه أهمية إنشاء قناة جونقلي من أجل التنمية الاقتصادية والاجتماعية. وأعلن تأييده التام لمشروع القناة. وقال: ” إذا كان علينا أن نقود شعبنا إلى النعيم بالعصا سنفعل ذلك.”
وبعد نجاح نقل خطاب السيد أبيل ألير مباشرة عبر الإذاعة Live Broadcast، تم إرسال فريق فني من الإذاعة السودانية القومية إلى جوبا لتشييد أستوديو للبث وآخر للتسجيلات وإعداد البرامج. وعقب التشييد قررت إدارة الإذاعة وضع سياسة عامة للعمل الإذاعي ترتكز على الآتي:
أولاً: لغة الإذاعة: تبث الإذاعة برامجها باللغتين الإنجليزية والعربية إلى جانب اللغة العربية المبسّطة (عربي جوبا). وتقرّر معالجة اللغات المحلّية والتي تبلغ حوالي 64 لغة، حسب تعداد قبائل جنوب السودان، عبر البرامج الخاصة التي تبرز الموروثات الثقافية لتلك القبائل.
ثانياً: التركيز على إحياء تراث جنوب السودان وتشجيع الفنانين ذوي المواهب العالية وفرق الفنون الشعبية.
التحديّات التي واجهت إذاعة جوبا
أولاً: السياسة الإعلامية:-
أتاحت إتفاقية أديس أبابا 1972 الفرصة أمام حكومة الإقليم لإقامة نظام برلماني على غرار مجلس العموم (برلمان Westminster)؛ إذ يتم انتخاب رئيس حكومة الإقليم بواسطة مجلس الشعب الإقليمي بينما يتم انتخاب رئيس الجمهورية عبر استفتاء شعبي بعد ترشيحه من قبل الحزب الحاكم (الإتحاد الإشتراكي السوداني) في إطار/سياق نظام حكم مركزي شمولي.
إعتمدت الإذاعة، منذ نشأتها، نظرية المسؤولية الاجتماعية الهادفة إلى خدمة الحكومة والمواطن على السواء. وكانت تسمح للمواطن من خلال البرامج التي تقدّمها بتوجيه النقد اللاذع لأداء الحكومة بحرية وأريحية تامتين ̶ برنامج “دا غلط”. ومارست الحرية الكاملة بإتاحتها الفرص المتساوية للمؤيدين والمعارضين للأخيرة أثناء نقلها المباشر لمداولات البرلمان.
نشأت إذاعة جوبا في إكتوبر 1974 بدون أية ميزانية أو هيكل إداري فني، بل فقط طاقم يتألف من مدير مشروع يعاونه كادر ̶ غير مؤهّل بشكلٍ كافٍ ̶ من المذيعين والفنيين إلى جانب مهندسين وفنيين تابعين لهيئة المواصلات السلكية واللاسلكية (قسم الإرسال الإذاعي Radio Transmission).
وكان كاتب هذه السطور مدير المشروع منذ عام 1974. وبحكم درجته الوظيفية، تم تعيين الراحل أمبروز موجوك فني ورئيس قسم السينما والمخاطبة بمديرية أعالي النيل مفتشاً للإذاعة بالدرجة الثامنة DS ومدير مشروع الإذاعة مساعداً إداريّاً لشؤون الأخبار والبرامج 12-H.
وفي عام 1975، تم وضع ميزانية خاصة بالإذاعة ضمن إدارات وزارة الثقافة والإعلام شملت البنود الثلاثة الفصل الأول المرتبات والأجور، والفصل الثاني التسيير بينما تم تخصيص الثالث لشراء المعدات.
التدريب الفني:
في عام 1975 تولّى السيد مدينق دي قرنق وزارة الثقافة والإعلام للمرّة الثانية، وأبدى اهتماماً كبيراً بالتدريب في مجال الإذاعة والصحافة. وتم ابتعاث كل من جاكوب جيل أكول الذي كان مقيماً في بريطانيا بالإضافة إلى شخصي إلى هيئة الإذاعة البريطانية BBC للمشاركة في دورة تدريبية في الإنتاج الإذاعي لدول ما وراء البحار Radio Production for Overseas Countries. وهي دورة تم تصميمها خصيصاً لمساعدة منتجي الإذاعات فنيّاً على إعداد البرامج والإخراج والأخبار.
وضمّت الدورة التي استمرت لمدة أربعة أشهر (4) إثني عشر (12) متدرباً من الدول الإفريقية والعربية (قطر) ودول الكاريبي وإيران. وتم في ذات العام إرسال عدد كبير من العاملين في الإذاعة إلى جمهورية مصر العربية (معهد الإذاعة) لتلقّي التدريب، إلى جانب ابتعاث عدد محدود إلى ألمانيا وزامبيا لذات الغرض.
تغطية الأحداث الهامة:
قامت إذاعة راديو جوبا رغم حداثتها بنقل العديد من الأحداث إبان فترة تنفيذ إتفاقية أديس أبابا، ومن أهمّها:
(1) احتفالات الذكرى الثالثة لإتفاقية أديس أبابا: