كتب:سلطان البان

تتسارع التطورات في شمال مالي منذ انسحاب القوات الفرنسية عام 2023، في مشهد يعيد رسم توازنات القوة ويكشف عن طبقات معقدة من التدخلات الإقليمية والدولية. عودة جبهة تحرير أزواد إلى الواجهة في 2024 لم تكن مجرد استعادة لنشاط مسلح تقليدي، بل جاءت في سياق فراغ أمني وتنافس نفوذ مفتوح، سرعان ما تُرجم إلى تصعيد ميداني واضح خلال 2026، خصوصًا في تمبكتو وغاو وكيدال. هذا التصعيد، الذي تزامن مع تقارير عن اغتيال وزير الدفاع المالي ومسؤولين آخرين، أعاد طرح أسئلة قديمة بصيغة جديدة حول من يدير خيوط الصراع خلف الكواليس.
في الخطاب الرسمي المالي، لا تزال فرنسا تُقدَّم باعتبارها الفاعل الخارجي الأكثر تأثيرًا، رغم نفي باريس المتكرر لأي دعم لجماعات انفصالية بعد انسحابها العسكري. هذا الاتهام، وإن كان يحمل أبعادًا سياسية داخلية واضحة، إلا أنه يعكس أيضًا استمرار الشكوك داخل باماكو بشأن شبكات النفوذ الفرنسية التقليدية في الساحل، خاصة عبر قنوات غير رسمية أو عبر وسطاء محليين وإقليميين.
في هذا السياق، تبرز تشاد كفاعل إقليمي يتقاطع دوره بين الأمني والاستخباراتي، وهو ما يفتح الباب أمام تتبع شخصيات بعينها تُتهم بالتحرك ضمن هذه المساحات الرمادية. من بين هذه الأسماء، يبرز العقيد العربي ولد جديدين، الذي يُقدَّم في بعض التقارير كضابط استخباراتي تشادي له حضور في ملفات الساحل، وكوسيط غير معلن في بعض الترتيبات المرتبطة بالحركات الأزوادية.
تعيينه مستشارًا خاصًا لرئيس CSP-DPA بموجب قرار صادر في كيدال بتاريخ 2 نوفمبر 2024 يضعه رسميًا ضمن هيكل سياسي يسعى إلى تدويل قضية أزواد. المهام المنوطة به، كما وردت في القرار، تتجاوز الإطار الاستشاري التقليدي، لتشمل الترافع الخارجي وبناء شبكات علاقات مع دول وجهات مختلفة، وهو ما يتقاطع بشكل مباشر مع مفهوم “الوسيط الدولي غير الرسمي” الذي غالبًا ما يُستخدم في النزاعات المعقدة حيث تتداخل السياسة بالاستخبارات.
وجود العربي ولد جدين حاليًا في باريس، رفقة محمد مولود رمضان، الناطق الرسمي باسم جبهة تحرير أزواد، يكتسب دلالة خاصة في هذا التوقيت. باريس، رغم انسحابها العسكري، لا تزال فضاءً دبلوماسيًا وإعلاميًا مؤثرًا في ملف الساحل، كما أن تواجد شخصيات مرتبطة بالحركات الأزوادية فيها يعكس استمرار قنوات التواصل، سواء كانت علنية أو خلفية.
المثير للاهتمام أن هذا الحضور لا يمكن فصله عن نمط أوسع من “الوسطاء العابرين للحدود”، وهم فاعلون يجمعون بين الخلفية الأمنية والعلاقات السياسية، ويتحركون بين العواصم والفاعلين غير الحكوميين، مستفيدين من غموض الأدوار وتعدد الولاءات. في هذا الإطار، يصبح العربي ولد جديدين نموذجًا لشخصية تتقاطع عندها خطوط عدة: انتماء عسكري محتمل، دور سياسي ضمن CSP-DPA، وتحرك في فضاءات دولية حساسة.
الاتهامات التي تربط موريتانيا بشكل غير مباشر عبر هذه الشخصية تبقى، حتى الآن، ضمن دائرة التأويل السياسي أكثر منها ضمن معطيات مثبتة. لكن طرحها يعكس قلقًا ماليًا متزايدًا من أي دور إقليمي قد يُنظر إليه كداعم، بشكل مباشر أو غير مباشر، للحركات الأزوادية. وهو قلق يتغذى من تاريخ طويل من التداخلات الحدودية والعلاقات المعقدة بين دول الساحل.
ما نشهده اليوم في مالي ليس فقط تصعيدًا ميدانيًا، بل إعادة تشكيل لشبكات التأثير، حيث تلعب الشخصيات الوسيطة دورًا محوريًا في ربط المحلي بالإقليمي والدولي. وفي ظل غياب إطار دولي واضح لإدارة الأزمة بعد انسحاب فرنسا، تزداد أهمية هذه الفواعل غير التقليدية، التي قد لا تظهر في البيانات الرسمية، لكنها حاضرة بقوة في مسارات الصراع الفعلية.