منصة قلب إفريقيا الإخبارية

عين
على
القارة

رئيس التحرير:
لؤي عبد الرحمن

  بين واشنطن وكينشاسا .. تحالف هش أم شراكة إستراتيجية؟

رصد:ابوبكر عبدالله

This image has an empty alt attribute; its file name is 557952432_1173609988197755_4153999010206379591_n.jpg

تُسارع واشنطن، في عهد الرئيس الأميركي دونالد ترامب، خطواتها في الملف الكونغولي، في مزيج لافت بين وعود الوساطة السياسية ورغبة واضحة في تأمين موطئ قدم راسخ في سوق المعادن الإستراتيجية في شرق البلاد.

وبينما تُقدَّم هذه التحركات في الخطاب الأميركي بوصفها دعماً للاستقرار، تبدو على الأرض عاملاً يُعمّق رهانات الأطراف المحلية على الحسم العسكري، بدلاً من تقديم تنازلات على طاولة التفاوض.

أولاً: عقوبات جديدة ورسائل دعم واضحة لتشيسكيدي

في أحدث حلقات الانخراط الأميركي، فرضت إدارة ترامب عقوبات على الرئيس الكونغولي السابق جوزيف كابيلا، الذي تتهمه واشنطن بلعب دور قيادي داخل تحالف “التحالف من أجل نهر الكونغو” المرتبط بحركة “إم 23” المتمردة.

وبحسب تقرير نشره موقع “Responsible Statecraft”، يُنظر في كينشاسا إلى هذه العقوبات على أنها اصطفاف أميركي صريح خلف الرئيس فيليكس تشيسكيدي في صراعه مع الحركة المتمردة المدعومة من رواندا.

ويشير التقرير إلى أن هذه العقوبات ليست معزولة، بل تأتي امتداداً لمسار من “الدبلوماسية التجارية” التي تنتهجها إدارة ترامب، حيث يتداخل الردع المالي والعقوبات مع حزمة أوسع من التفاهمات الاقتصادية والسياسية مع حكومة كينشاسا. وتؤكد مصادر سياسية نقل عنها التقرير أن الرسالة المتلقاة في الأروقة الكونغولية هي أن “واشنطن تقف الآن بثبات إلى جانب الحكومة”.

ثانياً: صفقات المعادن الإستراتيجية… منطق “التأمين المتبادل”

يربط التقرير بين هذه العقوبات وسلسلة من الاتفاقيات أُبرمت نهاية العام الماضي بين واشنطن وكينشاسا، منحت بموجبها الولايات المتحدة أفضلية في الوصول إلى ثروات معدنية هائلة، من بينها الكوبالت والذهب ومعادن أساسية لسلاسل التوريد العالمية في مجالات الطاقة والصناعات التكنولوجية.

وقد أفرزت هذه الصفقات ما يمكن وصفه بديناميكية “التأمين المتبادل”:

– بالنسبة لحكومة تشيسكيدي، يمثّل الانحياز إلى واشنطن نوعاً من “التأمين السياسي” في بيئة داخلية مضطربة، حيث يمكن للدعم الأميركي أن يتحول إلى عامل بقاء للنظام.

– أما بالنسبة لواشنطن، فتمنحها هذه الاتفاقيات فرصة الوصول إلى معادن حيوية بشروط مريحة، في سياق تنافس دولي متصاعد على الموارد في قلب أفريقيا.

ويشير خبراء نقل عنهم التقرير إلى أن الجانب الأميركي غالباً ما يمتلك “الكفة الأرجح” في هذه المفاوضات، حيث يظهر المسؤولون الكونغوليون “تفاعليين، عرضة للضغوط، ومستعدين لقبول شروط دون المستوى الأمثل” مقابل ضمان استمرار الدعم السياسي والأمني.

ثالثاً: منطق القوة… هل تُعمّق واشنطن رهانات الحرب؟

مع توسّع نطاق العقوبات والرسائل الداعمة، تتزايد—بحسب مسؤولين ونشطاء—قناعة لدى النخب السياسية والعسكرية في كينشاسا بأن مزيداً من الدعم الأميركي قد يكون في الطريق. وتُترجم هذه القناعة، وفق التقرير، إلى ثقة متنامية بإمكانية حسم الصراع مع حركة “إم 23” وحلفائها الروانديين عبر المقاربة العسكرية، لا عبر تسوية سياسية شاقة.

وتحذّر القراءة من أن هذا “الاطمئنان” إلى دعم واشنطن قد يدفع بعض الأطراف في كينشاسا إلى التصلّب في المفاوضات، وإلى الاعتقاد بأن الزمن يعمل لصالحهم مع تراكم العقوبات الغربية على خصومهم، بمن فيهم قيادات متهمة بالتورط في تهريب الذهب والمعادن من مناطق النزاع.

في المقابل، قد يدفع هذا المسار حركة “إم 23” وداعميها الإقليميين إلى تعزيز خياراتهم العسكرية والبحث عن داعمين دوليين مضادين، ما يهدد بتحويل الصراع في شرق الكونغو إلى ساحة تجاذب بين قوى كبرى.

رابعاً: وساطة أميركية متعثرة وواقع ميداني منفلت

في موازاة ذلك، تحاول إدارة ترامب تقديم نفسها وسيطاً في النزاع بين الكونغو ورواندا بشأن دور الأخيرة في دعم حركة “إم 23”. وقد استضافت واشنطن، وفق تقارير مراكز بحثية ووكالات دولية، جولات حوار بين الرئيس فيليكس تشيسكيدي ونظيره الرواندي بول كاغامي، بهدف تثبيت تفاهمات أمنية واقتصادية تشمل ملفات الطاقة والتعدين والبنية التحتية.

غير أن الوقائع الميدانية لا تسير بالضرورة في الاتجاه ذاته؛ إذ وثّقت تقارير صحفية ووكالة “رويترز” تجدّد الاشتباكات في شرق الكونغو بعد ساعات من الإعلان عن اتفاق سلام في واشنطن، في دلالة على هشاشة هذه التفاهمات وصعوبة ترجمتها إلى وقف فعلي ومستدام لإطلاق النار.

ويرى محللون أن جوهر الإشكال يكمن في عدم معالجة الأسباب العميقة للصراع، مثل تقاسم النفوذ في مناطق التعدين، وملف النازحين، والميليشيات العابرة للحدود، مقابل التركيز على ترتيبات سريعة تمهّد لضخ استثمارات غربية واسعة في قطاع المعادن.

خامساً: حقوق الإنسان ومخاوف المجتمع المدني

يطرح هذا المسار تساؤلات حادة لدى منظمات المجتمع المدني الكونغولية والدولية بشأن كلفة “الدبلوماسية التجارية” على حقوق الإنسان والأمن الإنساني في مناطق النزاع.

فمع تزايد القناعة بإمكانية تحقيق “نصر عسكري” بدعم أميركي، تتصاعد مخاطر العمليات العسكرية واسعة النطاق في مناطق مأهولة، وما قد يرافقها من انتهاكات ونزوح إضافي.

كما يحذّر نشطاء من أن اختزال الصراع في معادلة “حليف مقابل خصم” من منظور واشنطن، مع إعطاء أولوية لتأمين المعادن على حساب مسار عدالة انتقالية شامل، قد يُعيد إنتاج دوامة العنف على المدى المتوسط.

وفي هذا السياق، يدعو بعضهم إلى ربط أي دعم أميركي إضافي لحكومة تشيسكيدي بمعايير واضحة تتعلق بحماية المدنيين، وإشراك أوسع للقوى المدنية المحلية في صياغة أي تسويات سياسية أو اقتصادية تخص مناطقهم.

يرى مراقبون أن ما يجري اليوم يتجاوز مجرد دعم حكومة في مواجهة حركة تمرد، إلى إعادة صياغة موقع الكونغو في خريطة التنافس الدولي على الموارد الحيوية.

فالشراكة الناشئة بين واشنطن وكينشاسا تحمل في طياتها فرصاً كبيرة للطرفين، لكنها في الوقت ذاته تظل رهينة موازنة دقيقة بين اعتبارات الأمن القومي الأميركي وحقوق الكونغوليين في مواردهم وأمنهم وحقهم في السلام.

وتخلص القراءة إلى أن استمرار المقاربة الأميركية للملف الكونغولي من زاوية “معركة نفوذ” قد يحقق مكاسب تجارية على المدى القصير، لكنه في المقابل يغذّي منطق الحرب ويقوّض فرص بناء سلام مستدام في شرق الكونغو—وهو سلام لن تستقيم بدونه أي استثمارات طويلة الأمد في أرض تمور بالصراعات.؟

About The Author

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *