كتب :عبدالوهاب جمعة
اطلقت شركة “سوداني فينتك” رسميا منصة “صح”، وهي ليست عملية اضافة تقنية جديدة في السودان ،وانما اعادة تعريف لـ”حياتنا المالية والتكنولوجية”، في الحقيقة فان “سوداني فينتك” تحول الهاتف من اداة اتصال الى “بوابة مالية” متنقلة في جيب كل سوداني.
تكمن العبقرية الاستراتيجية في “صح” في قدرتها على دمج أوسع بنية تحتية للاتصالات في السودان مع خبرة مصرفية راسخة ومعتمدة من بنك السودان المركزي.
التقاء شركة اتصالات مع البنوك تعني بروز شراكة تجارية في اتجاه صعود نموذج تنموي متكامل يربط بين القوة التقنية والموثوقية المالية.
يمكن وصف ذلك بكلمة “ثورة” أو “زلزال” او حتى على الاقل يمكن وصفه بـ” تحول كبير”،يعطينا الإطلاق الرسمي لمنصة “صح” رؤية بانورامية عن التحول الكبير في بنية الاقتصاد السوداني من “ضيق” الحسابات المصرفية الى ” فضاء” التقنية المالية.

يمكن أن نرى ملامح ذلك التحول في أعين المتحدثين،عندما يقول مجدي طه رئيس مجلس إدارة سوداني فينتك والرئيس التنفيذي لمجموعة سوداتل إن “ما بنيناه هو جسر حقيقي بين البنية التحتية الرقمية والاندماج المالي”، فهو يعيد تعريف مفهوم “الاتصال” في عصر الرقمنة. لم يعد الاتصال مجرد إشارة اليكترونية بين جهاز مرسل ومستقبل وانما اصبحت الاتصالات نموذج للوصول الى الفرص الاقتصادية.
بينما مقولة محمد الضو الرئيس التنفيذي للشريك المصرفي بأن “الابتكار في التكنولوجيا المالية والرسوخ المصرفي لا يتعارضان بل يتكاملان”، فهو يفضح مغالطةاقتصادية شائعة: أن البنوك التقليدية والشركات الناشئة في حالة صراع دائم. هنا نفهم ونرى نموذجا مغايرا بتحرك مصرف راسخ ومنطلق بقوة يتعانق مع منصة رقمية ملهمة.
وتبقى العبارة الأكثر تأثيرا من إيزاك نشوندا، الرئيس التنفيذي لسوداني فينتك عندما قال: “هاتفك يمكن أن يقدّم لك أكثر مع “صح”، لم تعد الخدمات المالية معقدة أوبعيدة… لم يعد على العميل أن يمر بإجراءات طويلة، وعوائق غير ضرورية.. بل أصبح بإمكانه الوصول إلى خدمات مالية بطريقة تناسب حياته اليومية”
هنا نجد “ثورة الخدمات المالية” بتحول جهاز الهاتف في جيب العامل البسيط والطالب الجامعي وربة المنزل الى بوابة مصرفية متكاملة.
لفهم حقيقة ما جرى فان علينا أن نفكك بعض العبارات الواردة اثناء اطلاق “صح”، مثلا جملة “معاملات مجانية داخل شبكة صح” هنا ننتقل من “العرض الترويجي” الى الاقتصاد الحقيقي، في الواقع فان الجملة تعني إعلان حرب على “الاقتصاد الرمادي” أو ما يعرف باقتصاد الظل والتحويلات غير الرسمية. تحقق “صح” إرسال الأموال بين مستخدمي المنصة بلا تكلفة وبذلك تصبح تلقائيا البديل الرسمي الأكثر جاذبية من أي وسيلة غير مصرفية.

بينما عبارة”التحويل من وإلى جميع البنوك السودانية” باستخدام رقم الـBBAN، فهي تعني أن “صح” لم تنشأ في جزيرة منعزلة وإنما ربطت نفسها بالمنظومة المصرفية السودانية بأكملها، عبر تكامل مباشر مع شركة الخدمات المصرفية الإلكترونية والسجل المدني، هذا التكامل يعني سرعة التحقق من الهوية، فالسرعة هي عامل المعاملات المالية في عالم اليوم وبالتالي تحقق شرط الثقة نتيجة تكامل الادوار.
عبقرية “صح” تكمن في التصميم الثلاثي والذي يستهدف ” عدم ترك احد في الخلف”، تتمايز “صح” بتكوينها الشمولي ذي القنوات المتعددة والذي صمم بذكاء، حيث أن “صح” بنيت على تطبيق الهاتف الذكي لتجربة رقمية متكاملة وسلسة. وخدمة USSD عبر الكود (500#) والذي يعمل بدون انترنت ، وشبكة وكلاء ونقاط بيع بهدف الوصول الميداني المباشر والتفاعل البشري.
هذا المثلث التشغيلي ليس رفاهية تقنية وانما جاء لضرورة إنسانية واستراتيجية لضمان عدم خلق ” التطور الرقمي” لفجوات جديدة، وانما لسد الفجوات في المناطق النائية ولتحقيق مفهوم اوسع يتعلق بدفع “الوحدة الوطنية ” بين مختلف مناطق السودان ولتعزيز التنمية المتوازنة بين الريف والحضر وبين مختلف المناطق الجغرافية. بل يمكن القول ان “صح” وتكوينه الثلاثي يحقق هدف كان بعيد المنال وهو “تحطيم البروقراطية” واوقات الانتظار التي كانت احد معوقات الشمول المالي ومنع تمتع الملايين من “العدالة المصرفية”.
في عالم اليوم الذي تتسارع فيه الخطى نحو الرقمنة والتقنية، تقدم “صح” رؤية سودانية بنيت على “تكامل القطاعات” والذي يعتبر مفتاح النهضة الاول.
لكن “صح” يقدم شئ آخر وهو أن الابتكار الحقيقي ليس المنجز التكنولوجي القائم على البرمجيات المعقدة وانما هو ذلك الذي يلامس حياة الناس ويحل مشاكلهم اليومية، وهو ما يثبته “صح” بتكوينه الثلاثي الذي لا يحرم أحد مهما كان موقعه او مكانته او عمله من حقه المالي والوصول اليه سواء بهاتف ذكي او بهاتف يعمل بدون شبكة انترنت، وبالتالي فان الهواتف اصبحت نافذة على اقتناص الفرص وبتحول السوداني الى مواطن شريك وفعال في بناء الاقتصاد الرقمي المنشود.