منصة قلب إفريقيا الإخبارية

زعماء السودان بعيون المؤرخ روبرت كولينز القاسية

المعز محمد الحسن

من المحزن أن السودان لم يعرف منذ الاستقلال نشأة زعيم وطني كفء وفعال، يستطيع التغلب على انتماءاته الطائفية أو العرقية أو الجهوية، ومن ثم يتسنى له اقناع السودانيين على كافة اطيافهم بتاييد أجندته الوطنية. فأكثر السودانيين ثقافة وكوزموبوليتانية وتطوراً سياسياً لم يخرج من بينهم سوى زعماء محدودي القدرات ويتصفون بعجرفة لا تعرف الحدود وجشع لا يعرف الخجل“.

(روبرت كولينز )

الأزهري مناور والمحجوب مفكر متكبر والترابي مجادل فصيح والصادق المهدي سياسي كفء في شبابه، عديم الحزم في سنواته الأخيرة

المؤرخ الأمريكي روبرت كولينز (Robert O. Collins) يعد من أبرز الباحثين الغربيين المتخصصين في تاريخ السودان وجنوب السودان بصفة خاصة. من أشهر مؤلفاته كتاب “ظلال في العشب: بريطانيا في جنوب السودان” ويستعرض فيه فترة الحكم البريطاني في جنوب السودان خلال السنوات من 1918 إلى 1956. صدر هذا الكتاب في العام 1983 ومنح جائزة أفضل كتاب عن تاريخ بريطانيا لكاتب من أمريكا الشمالية من قبل إحدى المنظمات الأكاديمية الأمريكية. لكن موضوع هذا المقال كتاب آخر لهذا المؤرخ بعنوان “تاريخ السودان الحديث” (A History of Modern Sudan)، يقدم فيه موجز عن تاريخ السودان من بداية حملة محمد علي باشا في 1821 حتى توقيع اتفاقية السلام الشامل بين الشمال والجنوب في 2005. صدرت النسخة الإنجليزية من هذا الكتاب في 360 صفحة عن دار نشر جامعة كامبريدج في 2008 .

تكمن قيمة هذا الكتاب في خبرة الكاتب العميقة بالسودان وبيئته الاجتماعية. بدأ ارتباط روبرت كولينز بالسودان منذ دراسته بجامعة “دارماوث” بالولايات المتحدة في منتصف الخمسينات حين كتب أطروحته للدراسات العليا عن فترة حكم أمين باشا في مديرية الاستوائية في نهاية الحكم التركي. وكانت رسالة الدكتوراة التي حصل عليها عام 1959 من جامعة “ييل” بالولايات المتحدة، عن حملات محمد أحمد المهدي على جنوب السودان، نشرت لاحقاً في كتاب بعنوان “جنوب السودان، معركة من أجل السيطرة”. وظل كولينز يتردد على السودان بانتظام منذ منتصف الخمسينات وحتى نهاية السبعينات. في البداية لمتابعة أبحاثة والاطلاع على الوثائق التاريخية السودانية. ولاحقاً عينته حكومة السودان مستشاراً للمجلس التنفيذي لجنوب السودان بعد توقيع اتفاقية الوحدة الوطنية في 1971، بهدف مساعدة المجلس التنفيذي لجنوب السودان في بناء مؤسسات الحكم الذاتي، وفي إنشاء أرشيف خاص بجنوب السودان. ثم عمل في بداية الثمانينات مستشاراً لشركة شفرون للبترول بعد تعاقدها للتنقيب عن البترول في السودان. وهكذا فقد عايش كولينز العديد الأحداث التي كتب عنها وحظي بالتعرف على الكثير من السودانيين وقضاء أوقات طولية في النقاش معهم “خلال جو الأمسيات اللطيف” كما يقول هو في مقدمة كتابه. بالإضافة لذلك، يميز هذا الكتاب أن المؤلف يقدم فيه قراءة لتاريخ السودان متحررة من انحياز الانتماء، رغم أنها يمكن أن تكون متأثرة بالإسقاطات الناشئة من ثقافته وخلفيته الاجتماعية.

لقاء الإمام أحمد عبد الرحمن المهدي والسيد محمد عثمان الميرغني في 12 يناير 2026 بالقاهرة، بعد قرابة القرن من لقاء السيدين الأول

أكثر ما جذب اهتمامي في كتاب “تاريخ السودان الحديث” هو تحليل الكاتب لشخصيات رموز الحركة الوطنية والقادة الذين شكلوا المشهد السياسي خلال حقبة الاستقلال وما تلاها. فنحن نحيط هذا الرعيل بهالة من التبجيل يصعب معها دراسة تاريخهم بموضوعية محايدة، وذلك شيء طبيعي لأنهم ارتبطوا بفترة استثنائية وحساسة من تاريخ السودان الحديث. ومع ذلك يمكن أن يؤخذ على الكاتب وقوعه أحياناً في مصيدة “التصوير الكاراكاتيري” التي يقع فيها كثير من الباحثين الغربيين في كتاباتهم عن الثقافات الأخرى، فيصورونها وفقاً لأنماط ذهنية مسبقة وخيالية سائدة في الثقافات الغربية وبعيدة كل البعد عن الواقع. لكن ذلك لا يقلل من قيمة الكتاب على كل حال.

خلال استعراضه لملابسات تشكل الحركة الوطنية قبل الاستقلال وما نشأ منها من أحزاب وكيانات سياسية، سلط المؤلف الضوء على الصراع الدائم بين السيد علي الميرغني والسيد عبد الرحمن المهدي. هذا التنافس، الذي وصفه الكاتب الدكتور الصادق الفقيه بأنه كان ثنائية أخرى داخل الحكم الثنائي، كان له في نظر كولينز أثر بالغ في إعاقة تطور الحركة الوطنية والانحراف بها عن تحقيق أهدافها الأساسية. ويرى أن محاولات الاحتواء من جانب السيدين جعلت من الكيانات الوطنية ساحات للصدام بين مؤيدي كل منهما. وينسحب ذلك على نادي الخريجين نفسه الذي انقسم أعضاؤه، منذ بداية تكوينه في عام 1937، إلى فريقين أحدهما مؤيد للسيد عبد الرحمن المهدي والأخر مؤيد للسيد على الميرغني، ما أدى لفشل المؤتمر في أن يكون منبراً جامعاً للمثقفين السودانيين. كما أن حزب الأشقاء الذي أسسه إسماعيل الأزهري في عام 1943 وتبناه السيد علي الميرغني، الذي أصبح نواة الحزب الوطني ثم الاتحادي الديمقراطي، كان الهدف من تكوينه معارضة حزب الأمة المناوئ للاتحاد مع مصر والموالي للسيد عبد الرحمن المهدي. وعلى الرغم من ذلك لم يقلل من دور السيد عبد الرحمن في النضال ضد الاستعمار ويقول إن تحقيق الاستقلال يمثل “ذروة فخر” هذا الرجل الذي استطاع أن ينقذ كيان الأنصار من احتواء البريطانيين لهم بفضل حنكته وقوته. عكس ابنه الصديق الذي يقول عنه أنه “كان مجرد ظل لأبيه، وسرعان ما توفي بعده بعامين ونعاه نفر قليل من الناس”. بنما نعت السيد علي الميرغني بالرجل الغامض الذي يصعب التكهن بما يدور في ذهنه.

في اعتقادي أن كثير من السودانيين يتفقون مع ما كتبه كولينز عن ظاهرة الاستقطاب الطائفي هذه. ويكفي لفهم مدى تأثيرها على المشهد السياسي، أن ندرك أن الترشح والتعيين في المناصب السياسية والدستورية كان خاضعاً لنفوذ السيدين. لذلك، فليس من المستغرب أن يكتب محمد أحمد محجوب، وهو القيادي بحزب الأمة، في كتابه “الديمقراطية في الميزان” بمناسبة لقاء السيدين قائلاً: “لقد كان التحالف بين المهدي والميرغني أعظم كارثة مني بها تاريخ السياسة السودانية. ففي هذه التحالف سعى عدوان لدودان مدى الحياة، بدافع الجشع والتهافت على السلطة والغرور والمصالح الشخصية، إلى السيطرة على الميدان السياسي”. ومع ذلك يعترف المحجوب أيضاً بدور السيد عبد الرحمن المهدي في دعم الحركة الوطنية والصرف عليها من ماله الخاص حتى كاد أن يفلس.

ويعتقد كولينز أن حزب الأشقاء الذي أسس بعضوية محدودة العدد، لم يكن لينجح لولا دعم السيد على الميرغني، رغم أن أفكار إسماعيل الأزهري العلمانية لم تكن ترق له. لذلك يقول إن دور إسماعيل الأزهري انتهى عملياً بعد رفع علم الاستقلال، إذ لم يعد السيد على الميرغني بحاجة إليه بعد التقارب الذي حدث بينه وبين السيد عبد الرحمن فيما عرف بلقاء السيدين في ديسمبر 1955. وتبع ذلك الانشقاق الذي حدث في الحزب الوطني من قبل موالين للسيد علي الميرغني. قام هؤلاء بتأسيس حزب الشعب الديمقراطي الذي تحالف مع حزب الأمة وقاما بحجب الثقة عن حكومة إسماعيل الأزهري وإسقاطها في يوليو 1956.

ويرى كولينز في إسماعيل الأزهري مناور سياسي ماهر أكثر منه رجل دولة. بل انتقد بشدة فترة رئاسته لمجلس السيادة خلال حقبة أكتوبر وكتب: “عندما عقدت الجمعية التأسيسية اجتماعها الأول في 27 مايو 1968، تم تعيين إسماعيل الأزهري رئيساً لها مكافأة له على قيادة الحزب الاتحادي الديمقراطي للنصر الانتخابي الكبير. كما تم انتخاب زملاء موالين له شخصياً في مواقع مهمة بالجمعية، ما أكمل تحول موقع رئاسة هذه الهيئة التشريعية من مؤسسة غير سياسية ذات تمثيل واسع إلى أداة حزبية للائتلاف الحاكم. وبعد هذا الانتخاب تحول كل عمل الجمعية إلى مستنقع للمؤامرات والمؤامرات المضادة ليكتمل بتلاعبات رديئة من وراء المسرح ومصحوباً بشائعات وتخمينات خطيرة في الصحافة ووسط الرأي العام، خاصة وأن كل أعضاء الجمعية لم يظهروا أي اهتمام بالمشكلات الضاغطة في السودان”. ويروي محمد أحمد المحجوب عن نزاعه مع الصادق المهدي حول رئاسة الوزراء في حكومة أكتوبر، وكان الأزهري وقتها رئيساً لمجلس السيادة، أنه كان يخشى على البلاد من قلة خبرة الصادق المهدي وصغر سنه، وأنه حذره من خطورة ما هو مقدم عليه ومن الأزهري بصفة خاصة. كتب المحجوب: “وذكرته بأنه سيتعامل مع الرئيس الأزهري، السياسي الحاذق الذي يستطيع أن يلوي ذراع أي شخص”.

وعلى الرغم من أن كولينز امتدح قدرات محمد أحمد المحجوب الفكرية ومهارته الدبلوماسية عندما كان وزيراً للخارجية في حكومة الاستقلال ثم في حكومة أكتوبر (1956 – 1958 و 1964 – 1965)، إلا أن هذه المواهب، في اعتقاده، اختلطت عند المحجوب “بالطموح والبلاغة الطنانة والغرور”. كما وصفه بأنه كان “متبلد تجاه مشكلة الجنوب” وأن سياسته تجاهها كانت امتداداً لسياسة عبود العنيفة. ويشير إلى أنه لم يكن كفء، خلال توليه رئاسة الوزارة في حكومة أكتوبر (1965 ثم 1967)، في قيادة الائتلاف بين الحزب الاتحادي الديمقراطي وجناح الإمام الهادي في حزب الأمة (الذي ينتمي له المحجوب). ويأخذ كولينز على المحجوب أنه كان يعتبر نفسه فوق السياسة البرلمانية الصغيرة وفضل النأي بنفسه بعيداً عنها إلى الشؤون الخارجة وخاصة تجاه الدول العربية. كما أشار إلى أن سياسته القمعية تجاه الجنوب تناقض تورطه في قضايا افريقية ودعمه للانفصاليين في أريتريا والحركة المعادية لبوكاسا في افريقيا الوسطى، ومقاتلي سيما في الكونغو. وكانت نتيجة ذلك أن احتضنت حكومة الكونغو قيادات حركة سانو و دعمت حركة الأنيانيا وسمح هيلا سيلاسي لإسرائيل باستخدام الأراضي الأثيوبية لإمداد حركة الأنيانيا بالعتاد. وفيما يتعلق بموقف المحجوب من مسألة الجنوب، فإن المحجوب نفسه في كتابه “الديمقراطية في الميزان” لم يخف ميله للحل العسكري، رغم أنه حاول تبرير ذلك بدواع حفظ الأمن وحماية سكان القرى في الجنوب من الهجمات التي كان يشنها عليها مقاتلو الأنيانيا بهدف النهب. بل يقول المحجوب أنه قام بمد بعض القبائل بالسلاح للدفاع عن أنفسهم بناءً على طلب زعماء هذه القبائل.

من الأحداث الهامة في حقبة أكتوبر، خلال فترة الحكومة الانتقالية بقيادة سر الختم الخليفة، مؤتمر المائدة المستديرة الذي انعقد في مارس 1965 للنظر في مشكلة الجنوب. كانت العقبة التي واجهت المؤتمر هي الخلاف بين ممثلي الشمال وممثلي الجنوب حول الوضع الدستوري للجنوب. فقد قوبلت مطالب قادة الجنوب بدمج مديريات الجنوب في إقليم واحد وباعتماد صيغة الحكم الفيدرالي بالرفض الشديد من قبل ممثلي الشمال. كان الحزب الشيوعي هو الأكثر مرونة في هذه المسألة. فبينما انتقد سكرتيره العام عبد الخالق محجوب النظام الفيدرالي معللاً ذلك بأن الجنوب لا يمتلك الموارد الاقتصادية التي تمكنه من الاعتماد على نفسه، اقترح منح الجنوب الحكم الذاتي. وكان حسن الترابي ممثل جبهة الميثاق من أشد المعارضين للفدرالية ولتوحيد الجنوب في إقليم واحد. وحسب كولينز أعلن الترابي في ثورة غضب أنه يفضل فصل الجنوب على أن يبقى إقليماً واحداً. وفي محاولة لإنقاذ المؤتمر، شكلت الحكومة لجنة من إثني عشر شخصاً، ستة شماليين من بينهم الترابي وستة جنوبيين، وأوكلت لها البت في مسألة الصيغة الدستورية لحكم الجنوب. لخص كولينز ما حدث في تلك اللجنة قائلاً: “اجتمعت اللجنة بانتظام على مدى ستة أشهر تعرضت المناقشات خلالها للتخريب المنهجي من جانب حسن الترابي ممثل جبهة الميثاق الإسلامي الذي لم يستطع أي ممثل للجنوب مجاراته في الفصاحة والمهارات القانونية، كما أن صوت الترابي الوحيد كان كفيل بإعاقة التوصل لأي قرار ذلك لأن الإجماع كان شرطاً مقرراً”.

وأخيراً يمكن القول إن الصادق المهدي هو أكثر زعيم ترك انطباعاً جيداً لدى روبرت كولينز، الذي كتب قائلاً إن الصادق المهدي عندما أصبح رئيساً لحزب الأمة عام 1964، “لم يظهر أياً من نقص الحزم والروية اللذين طبعا سنواته الأخيرة، وعلى الرغم من قصر فترة توليه رئاسة الحكومة، فقد كان أول سياسي سوداني ينجح في بناء جهاز سياسي كفء، حيث وضع في المناصب الوزارية شباباً مؤهلين. كما كان أول سياسي يملك أجندة وطنية تتجاوز التقاليد الطائفية، وكذلك أول سياسي يتجنب المصالح الشخصية والعرقية الضيقة التي طبعت السياسيين السودانيين”. ويتفق المؤرخ السوداني عبد الماجد بوب في كتابه “جنوب السودان، جدل الوحدة والانفصال”، كثيراً مع آراء كولينز بخصوص محمد احمد المحجوب والصادق المهدي. فهو يؤكد أن المحجوب لم يكن يؤمن بإمكانية الوصول لحل لمشكلة الجنوب عبر التفاوض، بل يذهب إلى أنه سعى لإفشال عمل لجنة الإثني عشر. ويرى أن فترة تولي الصادق المهدي لرئاسة الوزراء في 1966 شهد شهدت تحولاً في نهج الحكومة تجاه مشكلة الجنوب واستطاع الصادق المهدي خلالها بناء تحالف مع حزب سانو وزعيمه وليم دينق. يقول عبد الماجد بوب ” تطلع الصادق المهدي إلى تقديم نفسه كزعيم سياسي منفتح على حقائق الوضع السياسي، خاصة في جنوب السودان وعلى تأكيد مقدرته على كسب ثقة القادة السياسيين الجنوبيين وحل مشكلة جنوب السودان”.

إن كان ثمة تعقيب فهو أن التعثر الذي شهده مسار تطور الدولة المدنية في السودان لم يكن حالة استثنائية، لكنه يندرج في إطار ظاهرة عامة في دول القارة الأفريقية، فيما عدى استثناءات نادرة. ولا يمكن أن نقول أن كل هذه الدول لم يخرج منها قادة حكماء و عقلاء. المشكلة لخصها الرئيس اليوغندي موسيفيني حين قال ذات مرة أن اي مجتمع لابد له ان يتحول ليظل معاف. وأن أفريقيا تتحول ايضا، لكنها يجب أن تتحول وفقا لخصوصيتها و طبيعة مجتمعاتها. ولا يمكن أن نفرض على مجتمع  نفس المسار الذي سار فيه مجتمع آخر.

About The Author

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *