منصة قلب إفريقيا الإخبارية

محمد قرشي يكتب : خاتمة تفكيك السرديات لولادة سردية جديدة

كتب :محمد قرشي عباس بابكر

عبر الرحلة كلها—من تفكيك الماكينة إلى قراءة العنف، ومن إعادة هندسة الدولة إلى إعادة تعريف فعل الجمهور—ظهر شيء واحد بوضوح: السودان لا ينقصه الشجعان، ولا ينقصه الغاضبون، ولا ينقصه الذين يعرفون ما لا يريدون. ما ينقصه هو فكرة جامعة عاقلة يستطيع فيها كل سوداني أن يرى مكانه دون أن يشعر بالتهديد، ويراها كل فاعل سياسي دون أن يرى نهايته فيها.

لقد عاش السودان عقوداً طويلة تحت ظل سردياتٍ صنعت الحرب، غذّتها، وأعطتها أسماء مختلفة. سردياتٌ استندت أحياناً إلى الهوية، وأحياناً إلى الوطنية، وأحياناً إلى الخوف. فكان أن أصبحت الحرب نفسها نظاماً قائماً، لا حدثاً استثنائياً.

والسؤال لم يعد: أي الروايات نصدق؟

بل: أيّ معنى نريد أن نبني فوقه ما تبقّى من هذا الوطن؟

فالخلاص لن يأتي من انتصار طرفٍ على آخر، ولا من توقيع وثيقة جديدة، ولا من تسوية تُعيد المشهد القديم بثياب أخرى. الخلاص يبدأ عندما تتشكل في الوعي العام سردية مختلفة، سردية لا تبحث عن الماضي لتدينه، بل تبحث عن المستقبل لتبنيه؛ سردية تُعيد تعريف الدولة لا بوصفها قلعة للسلطة، بل بوصفها بيتاً واسعاً لناسٍ يريدون أن يعيشوا بدون وصاية، وبدون نخب تحتكر القرار، وبدون سلاح يعلو على صوتهم.

هذه السردية الجديدة لا تقوم على بطولة قائد ولا على قداسة حزب، بل على مبدأ بسيط:

أن قيمة الدولة تُقاس بقدرتها على الاقتراب من حياة الناس، لا بقدرتها على إخضاعهم.

وحين يقتنع السوداني بأن السلطة يمكن أن تكون قريبة منه، وأن ثروة إقليمه يمكن أن تبقى فيه، وأن إدارة شأنه يمكن أن تنبع من أرضه لا من مكاتب مغلقة في الخرطوم—حينها فقط سيولد المعنى الجديد.

معنى يجعل الفدرالية ليست مجرد هيكل إداري، بل فلسفة في الحياة: توزيع القوة بدل تركيزها، وتخفيف التوتر بدل تغذيته، وحماية التنوع بدل تجريمه. وفي تلك اللحظة يبدأ جدار العنف نفسه في التصدع.

لا أدعي القدرة على صناعة الشعارات المناسبة، لكنه جهد المقل، مع إيمان عميق بقدرة قوى الشعب الحية خاصة شباب المستقبل، على اجتراح الشعارات البسيطة التي تمثل المطالبة بالسلطات المحلية والتحكم في الموارد وإعادة بناء دولة الريع على أسس فدرالية وعادلة جديدة.

وبهذا المعنى، فإن السلسلة لا تنتهي هنا، بل تبدأ في النقطة التي يتحول فيها الوعي إلى فعل، والفعل إلى عادة، والعادة إلى بنية جديدة تُكتب فيها قصة السودان على صفحة بيضاء لا على الصفحة التي ورثناها، وحين يحدث ذلك، سيولد البلد من جديد، لا بفعل القوى التي دمّرته، بل بفعل الناس الذين قرروا أخيراً أن يكتبوا روايتهم بأنفسهم.

About The Author

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *