كتب: محمد قرشي عباس بابكر
الجزء الرابع: من العجز إلى الفاعلية
كيف يمكن للجمهور أن يهزّ منظومة تبدو محصّنة؟
يميل السودانيون اليوم إلى الشعور بأن كل شيء يحدث فوق رؤوسهم، وأن البلاد تُدار عبر ممرات ضيقة لا مكان فيها لغير من يحمل السلاح أو المال أو شبكات النفوذ.
الجيش، الدعم السريع، الفصائل المسلحة، التحالفات السياسية التي تعيد تنظيم نفسها كل بضعة أشهر—كلها تتحرك في فضاء مغلق، بينما يقف الناس خارج الزجاج، قادرين على الرؤية، عاجزين عن اللمس. ولهذا يتحول شعار “لا للحرب” و “بل بس” وغيرها، إلى مجرد صدى أكثر منه فعلا مؤثرا، هو تعبير صادق عن الألم يتمنى نهاية الكارثة، لكنه لا يغيّر موازين القوة التي تحكم المشهد.
لكن هذا الشعور بالعجز، حين ننظر إليه من زاوية التفكير النظمي، ليس قدراً نهائياً. فالنظم المعقدة لا تتغير دائماً باليد الأقوى، بل أحياناً بالكلمة التي تعيد تنظيم المعنى، أو بالوعي الذي يكشف تناقضات الداخل، أو بالخطاب الذي يسحب الشرعية من تحت أقدام الفاعلين. وفي لحظات كهذه، تكمن القوة الحقيقية في المكان الذي لا يتوقعه أحد: في الجمهور الواسع نفسه.
أول ما يمكن للناس فعله، هو إعادة تعريف السردية التي نتحرك داخلها. فالسرديات التي غذّت الحروب السابقة كانت وقوداً فعالاً لأنها خاطبت عاطفة الفرد وربطت مصيره بمصير الزعيم أو السلاح. اليوم يتداعى الكثير من ذلك تلقائياً؛ فالحرب الحالية لم تعد ذات غطاء أخلاقي مقنع، ولا تحمل سردية جامعة تبرّر استمرارها خارج حق الدفاع عن الحياة واستمرار نفس اللاعبين القدامى في رقصتهم المحيرة.
هذا الفراغ يمنح الجمهور فرصة لإطلاق سردية مختلفة: سردية مستقبلية لا تتغذى من الاصطفاف ولا من الذاكرة الجريحة، بل من فكرة الدولة القريبة من الناس، الفدرالية العادلة، وتوزيع السلطة على مستوى القاعدة، حيث يصبح الإقليم سيد موارده، وتصبح الإدارة المحلية أقرب إلى حياة الناس من المتاريس والشعارات.
هذه السردية، إذا قُدِّمت ببساطة ووضوح، تستطيع أن تستعيد عقول الفئات “المفعول بها”—الجنود، الرعاة، المزارعين، صغار المنتجين—الذين لا يقاتلون عادة بدافع إيديولوجي، بل بسبب غياب البديل.
ومن هنا تبدأ ديناميكية جديدة: فحين يُقنع الفرد بأن مستقبله لن يُصنع في الخرطوم، بل في مدينته وقريته وإقليمه، وأن ثروات منطقته يمكن أن تبقى له ولأبنائه، وحين يدرك أن السلاح ليس طريقاً اجتماعياً بقدر ما هو طريق قصير العمر، تبدأ مصالحه في التحرر من قبضة النخب التي تخوض حرباً لا تخصه.
وفي العمق، تنطبق القاعدة نفسها على الفاعلين الجدد: القادة المحليون، المليشيات الصغيرة، شبكات الإدارة الأهلية، القوى الاقتصادية الناشئة.
هذه الفئات ليست قطعة واحدة، بل فسيفساء من المصالح الهشة التي تبحث عن مخرج.
ما يحتاجه هؤلاء ليس خطاباً عن الوطنية، بل رؤية تمنحهم مكاناً واضحاً في المستقبل. ففي ظل المركزية القديمة كانوا أدوات؛ وفي ظل دولة السلاح كانوا بيادق؛ أما في ظل رؤية فدرالية قاعدية محلية السلطة، فإنهم يتحولون إلى “أصحاب بيت”، وإلى جزء من منظومة حكم لا تهمّشهم ولا تستخدمهم كحراس على صراعات الآخرين. حين يفهمون ذلك، يتحول توازن القوة نفسه: ينقسم ظهر التحالفات الكبرى من قاعدته، لا من قمته.
وبالتوازي، يمتلك الجمهور قدرة لا تقل أهمية: الرصد والفضح. فالسودان، بنيوياً، جزء من نظام مفتوح. العنف فيه يتضخم بالدعم الخارجي، بالتمويل غير المعلن، وباقتصاد الذهب والتهريب وشبكات المصالح الممتدة عبر الحدود.
هنا يصبح جمع المعلومة ونشرها أداة سياسية لا تقل تأثيراً عن أي سلاح. فما إن يُكشف مصدر تمويل، أو خط تهريب، أو شبكة تدخل خارجي، حتى يرتفع الثمن السياسي لاستمرار الحرب على الأطراف التي تستفيد منها. وقد رأينا كيف أدى الضغط الشعبي الموزّع إلى اهتزاز سرديات كانت تبدو منيعة، وكيف تحوّل الفضح إلى كابح لمن كان يظن أن أفعاله لن يراها أحد.
وما يجمع هذه المسارات كلها هو شيء واحد:
أن السلطة ليست فقط في من يملك القوة الصلبة، بل في من يحدد الإطار الذهني الذي تُقرأ داخله الأحداث. فحين يتبنى الناس ميزاناً جديداً يقيسون به كل خطوة—هل تقرّبنا من دولة فدرالية عادلة؟ أم تبعدنا عنها؟—يتحول الجمهور إلى حَكَم لا متفرج، وإلى مصدر شرعية لا يمكن تجاوزه.
عندها يفقد أي فاعل القدرة على الادعاء بأنه “يمثل الناس”، ويصبح ملزماً بإعادة تنظيم حساباته وفق الفضاء الأخلاقي والسياسي الذي يصنعه الناس، لا الذي يفرضه السلاح.
إن التحول الحقيقي يبدأ عندما يدرك السودانيون أن دورهم ليس في حمل السلاح، بل في إعادة برمجة البيئة التي تجعل السلاح مفيداً من الأساس.
أن دورهم ليس في الانحياز لطرف، بل في الانحياز لفكرة تجعل استمرار العنف بلا جدوى، وتجعل المستقبل متاحاً للجميع.
وحين تنتشر هذه الفكرة، تتشقق السرديات القديمة، وتفقد الحرب أسباب وجودها، وتتحول المنظومة التي طالما بدت محصّنة إلى بنية قابلة لإعادة الهندسة، لأن الجماعة البشرية التي تتحرك داخلها لم تعد تقبل قواعد اللعبة القديمة.
وفي نهاية المطاف، لن يأتي الخلاص من انتصار جيشٍ أو هزيمة مليشيا، بل من سقوط صلاحية السرديات التي جعلت العنف ممكناً، وصعود سردية جديدة تمنح كل سوداني مكاناً في المستقبل، لا موقعاً في خندقه الحالي.