تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منصة قلب إفريقيا الإخبارية

عين
على
القارة

رئيس التحرير:
لؤي عبد الرحمن

  محمجد قرشي يكتب : تفكيك السرديات.. محاولات للحل المنطقي3-4

كتب :محمد قرشي عباس بابكر

الجزء الثالث: نحو حلٍّ يستوعب المنظومة ولا يعيد إنتاجها .

حين نصل إلى لحظة التفكير في الحل، ندرك أن السؤال ليس: من أخطأ؟ بل: كيف صُمِّم النظام بحيث يجعل الخطأ قابلاً للتكرار؟ إن الوعي بهذه النقطة يحول مسار التفكير كله من الإدانة إلى إعادة التصميم، ومن البحث عن الجناة إلى البحث عن الهندسة. فالأزمة السودانية، كما رأينا، ليست ظاهرة ظرفية، بل بنية كاملة تتحرك بقوة القصور الذاتي. لذلك فإن “الحل” الحقيقي لا يكون بتغيير اللاعبين، بل بتغيير شكل الملعب نفسه.

إن الغبن الاجتماعي والاقتصادي والثقافي الذي تراكم منذ عقود لم يكن نتيجة قرارات فردية بقدر ما كان نتيجة نظام صيغ بحيث يمنح المركز سلطة بلا رقابة، ويترك الأطراف خارج دائرة التأثير، ويحوّل السلاح إلى لغة شرعية في غياب المؤسسات. وهكذا يصبح الطريق إلى الخروج من الدائرة القديمة مشروطاً بإعادة ترتيب قواعد اللعبة، لا بإعادة تدوير النخب ولا بإطالة عمر مؤسسات شاخت ولم تعد قادرة على حمل البلاد.

وفي هذا السياق، تبدو أولى خطوات إعادة البناء واضحة: لا يمكن أن تُعاد هندسة العلاقة بين الدولة والمجتمع دون إعادة هندسة “مركز الثقل” السياسي نفسه. فالمركز في السودان كان على الدوام نقطة الاختناق؛ النقطة التي تتدفق إليها الموارد، وتُحتكر فيها السلطة، وتُعاد من خلالها صياغة الواقع المحلي. وكلما ضاقت حدود المركز واتسعت سلطته، ازدادت احتمالات الفساد، وتعاظم غضب الأطراف، وتكاثرت ظلال العنف حول كل قرار.

ولهذا يصبح الانتقال إلى نظام فيدرالي حقيقي ليس مجرد خيار إداري، بل ضرورة بنيوية. ليس فيدرالية الزينة أو تقسيم الولايات، بل فيدرالية تعيد توزيع القوة بحيث يصبح المركز مجرد “منسق” لشؤون الدولة الكبرى: الدفاع، السياسة الخارجية، المعايير العامة، بينما تنتشر السلطات الفعلية في الأقاليم، حيث يعرف الناس حاجاتهم ويستطيعون مراقبة صانعي القرارات الذين يعيشون بينهم. وحين تتسع السلطة محلياً، يصبح الفساد أكثر صعوبة، لأن الرقابة الاجتماعية أقرب وأكثر عضوية من أي جهاز مركزي بعيد.

لكن الفيدرالية السياسية وحدها لا تكفي. فالمركز لم يحتكر القرار فقط، بل احتكر الثروة أيضاً، وهذا الاحتكار هو الذي غذّى حلقة العنف وأغرى النخب بالتمسك بالسلطة مهما كان الثمن. لذلك لا بد من فيدرالية مالية صارمة تجعل الجزء الأكبر من عائدات الموارد—الذهب، الزراعة، النفط، الصناعات المحلية—يعود إلى مناطق الإنتاج نفسها. وهذا ليس مجرد توزيع عادل، بل إعادة ضبط للعلاقة بين الدولة والمواطن: حين تفقد الحكومة المركزية امتياز الريع، ستحتاج إلى الضرائب، وحين تحتاج إلى الضرائب، ستحتاج إلى رضا الناس. وهكذا تُعاد صياغة الحلقة المكسورة: لا ضرائب بلا تمثيل، ولا تمثيل بلا مشاركة حقيقية.

وفي قلب كل هذا تقف المسألة الأشد حساسية: السلاح.

فلا يمكن بناء دولة فدرالية قاعدية بينما القوة المسلحة مركّزة في جهة واحدة تستطيع في لحظة أن تمحو كل ما تبنيه السياسة. التجربة السودانية أثبتت أن الجيش حين يدخل الاقتصاد، يصبح مشروعاً تجارياً، وأن المليشيا حين تستقل بمواردها، تصبح دولة داخل الدولة، وأن العنف حين يصبح مربحاً، يستحيل إيقافه. لذلك يجب أن تُعاد هندسة العلاقة بين المؤسسة العسكرية والمجتمع بحيث تعود القوات المسلحة إلى وظيفتها الطبيعية: حماية الحدود لا احتكار السياسة. وهذا لا يعني تفكيك الجيش، بل إعادة صياغته بحيث يعكس تنوع البلاد، ويخضع لسلطة منتخبة، ولا يحمل داخله أي نشاط اقتصادي يخلق ولاءات موازية للشرعية الدستورية.

على هذا الأساس يمكن إعادة بناء المجال العام نفسه. ليس عبر فرض هوية رسمية للدولة، بل عبر تصميم دستور محايد فعلاً، دستور يكتفي بضمان الحقوق والحريات العامة، ويحمي التنوع لا بوصفه شعاراً، بل كآلية توزيع للسلطة. وحين تُترك التشريعات ذات الطابع المحلي للمجتمعات نفسها، يصبح التنوع جزءاً من الاستقرار، لا مادة للصراع، ويصبح لكل إقليم حق التعبير عن نفسه دون خوف من أن يفرض المركز عليه ما لا يعكس ثقافته أو ذاكرته أو رؤيته للحياة.

ويبقى عنصر آخر لا يقل أهمية عن الإصلاح الداخلي: طبيعة السودان كنظام مفتوح. فالخارج لم يكن يوماً متفرجاً، بل كان جزءاً من معادلة القوة: يمول، ويسلح، ويؤثر. لذلك لا يمكن تجاوز الأزمة دون إعادة هندسة العلاقة مع الجوار والعالم، عبر تجريم ارتباط السياسة بالتمويل والنفوذ الخارجي أولا، وعبر بناء مصالح تجعل استقرار السودان شرطاً لازدهار الآخرين، لا ساحة يمكن استخدامها لتصفية حسابات إقليمية. فحين ترتبط دول الجوار بموانئ السودان، بمشروعاته الزراعية، بطاقته الحيوية، يصبح لكل جهة مصلحة مباشرة في استقرار البلاد، ولا يعود الخارج “مضخماً للصراع” بل مانعاً لانفجاره.

عند هذه النقطة، يصبح واضحاً أن الحل ليس وصفة جاهزة، ولا برنامجاً حزبياً، ولا اتفاقاً فوقياً بين النخب. الحل هو إعادة بناء المنظومة التي تربط المجتمع بالدولة، وإعادة صياغة العلاقة بين السلطة والثروة والسلاح والهوية بحيث لا تستطيع أي طبقة من طبقات الأزمة القديمة أن تعمل بالطريقة التي عملت بها سابقاً. وهذا التحول من منطق الإدانة إلى منطق الهندسة، ومن سرديات الماضي إلى تخطيط المستقبل، هو وحده القادر على منح السودان فرصة للخروج من دورته الجهنمية، نحو دولة تتسع لتعدديتها، وتوزع قوتها، وتمنح مجتمعاتها حق تقرير شؤونها دون أن يكون العنف هو اللغة الوحيدة المفهومة.

About The Author

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *