تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منصة قلب إفريقيا الإخبارية

عين
على
القارة

رئيس التحرير:
لؤي عبد الرحمن

محمد قرشي يكتب : تفكيك السرديات .. محاولات للحل المنطقي 1-4

كتب : محمد قرشي عباس بابكر

الجزء الأول: منظومة الواقع السوداني .

حين نحاول النظر إلى الأزمة السودانية بعيداً عن انفعالات اللحظة وحدّتها، ندرك أننا أمام واقع لم يُبنَ فوق سبب بسيط، ولا يمكن سحبه نحو تفسير واحد مهما حاولنا.

فالتجربة السودانية، كما تكوّنت عبر عقود، أشبه بطبقات جيولوجية متراكمة فوق بعضها: طبقات تشكّلت في لحظات تاريخية مختلفة، ثم اندمجت من دون أن تنصهر، وتحركت كمنظومة واحدة من دون أن تفقد خصائصها الداخلية.

لذلك يصبح خطاب “السبب الواحد” مجرد ملاذ نفسي، لا أكثر: فهو لا يفسر لماذا يعيد السودان إنتاج فشله عبر الأجيال، ولا لماذا تتكرر ذات الانهيارات كلما تبدّلت الوجوه وتعاقبت العهود.

عند الاقتراب من هذه المنظومة، نرى أن جذورها تبدأ من تصميم مبكر سبق الدولة نفسها منذ زمن الاستعمار. البلد وُضع فوق بنية مادية صُمِّمت لتخدم غاية واحدة: نقل الموارد من الأطراف إلى المركز.

 خطوط السكة الحديد، الطرق الكبرى، مواقع المدن، كلها وُضعت بطريقة تجعل البلاد خريطة ذات محور واحد لا شبكة متعددة المحاور. هكذا صارت الأطراف مخزناً وحقلاً، وصار المركز ميناءً ومخزناً، ثم ورثت الدولة الوطنية هذا التصميم كما هو.

ومع مرور الزمن تحوّل الأمر من خيار سياسي إلى “حتمية لوجستية”: التفاوت ليس مزاج حكومة بل أثر طبيعي لمسار معتمد بدأ منذ الاستعمار واستمر بقوة القصور الذاتي.

فوق هذه البنية، نما اقتصاد لا يحتاج إلى الناس بقدر حاجته للسيطرة على الأرض. اقتصاد ريعي يجعل الدولة، أيّاً كان من يحكمها، مكتفية بالذهب أو النفط أو الجبايات، لا بالمواطن المنتج.

ومع غياب قاعدة الضرائب، انقطعت تلقائياً علاقة التمثيل والمحاسبة. لم تعد السلطة تستمد قوتها من رضا الناس بل من تحكمها في الموارد، ومن قدرتها على ضبط الحيز الجغرافي الذي تولّد منه الريع. ومع الوقت أصبح المجتمع يعيش في مكان والدولة في مكان آخر، وكلما ازدادت موارد الريع ضاق الطريق نحو الشرعية.

لكن البنية وحدها لا تصنع المأزق. فحين تفشل الدولة في بناء شرعية الإنجاز، تبحث عن شرعية أخرى، فتلجأ إلى “الهوية” بوصفها أداة جاهزة للحشد والحكم. هكذا تحوّلت مكونات السودان الثقافية إلى علامات سياسية، وصار التنوع الذي كان يمكن أن يصبح ثروة جماعية مادة صالحة للتعبئة والصراع.

وفي الأطراف، حيث تركت التنمية فراغاً عميقاً، ظهر خطاب آخر مضاد، لا ليواجه المركز فحسب، بل ليعطي معنى لغياب الدولة. وهكذا دخلت البلد في دورة متبادلة: هوية مركزية تفرض نفسها حين تعجز المؤسسات، وهوية مضادة تنبع من شعور مزمن بعدم الاعتراف.

ومع كل هذا، جاءت لحظة الحداثة السودانية مبتورة. لم تنشأ هوية وطنية ناضجة تسبق الدولة، ولم تمتلك الدولة الوقت أو الأدوات لبناء رابطة سياسية متماسكة. فبقيت الولاءات الأولية—القبيلة، الإقليم، الذاكرة الجمعية—أقوى من الرابطة الوطنية، وظلت السياسة تتغذى من المجتمع التقليدي أكثر مما تغيّره.

وعندما حاولت النخب المركزية بناء مشروع وطني، فعلت ذلك بعيون مستعجلة، وعبر أدوات قديمة، فزاد التباعد بدل أن ينقص.

ثم جاء الجزء الأكثر تأثيراً في حاضر السودان: غياب المؤسسات. فترات الحكم العسكري الطويلة لم تعطل فقط الحياة السياسية، بل جمدت تطور الأحزاب نفسها، وأبقت النخب في صيغة واحدة لا تتبدل.

 ومع الوقت انفصلت السياسة عن المجتمع، وفقد الناس القدرة على رؤية أنفسهم داخل مؤسسات الدولة. وفي الفراغ الذي خلقه غياب المؤسسات نشأ شيء أخطر: العنف بوصفه “وظيفة”، لا حادثاً.

فحين تغيب البرلمانات تصبح البنادق أدوات للتفاوض، وحين يفشل الاقتصاد المنتج يصبح السلاح مورداً بديلاً، وحين تغيب الأحزاب الحقيقية يصبح العنف لغة سياسية شرعية عند الجميع. ومع كل جولة عنف يزداد التشظي، وتتآكل الدولة، وتتوسع مساحة القوى المسلحة خارج القانون، حتى يصبح السلاح بديلاً كاملاً للإدارة، لا مجرد رد فعل.

هكذا تتشابك الطبقات كلها:

فالتهميش البنيوي يولّد غضباً سياسياً؛ والغضب السياسي يجد ما يغذيه في سؤال الهوية؛ والهوية تتحول إلى أداة تعبئة في ظل اقتصاد ريعي؛ والاقتصاد الريعي يمكّن النخب من تجاوز المؤسسات؛ وتجاوز المؤسسات يفتح الباب للعنف؛ والعنف يعيد إنتاج التهميش بشكل أقسى مما كان.

 منظومة لا تعمل في اتجاه واحد بل في دوائر متداخلة، كل خطوة فيها تعيد تشكيل الخطوة التالية، حتى تصبح الأزمة نفسها جزءاً من بنية البلد، لا حدثاً عابراً.

بهذا المعنى، لا يمكن قراءة ما يجري في السودان كأزمة أشخاص أو حكومات أو حتى انقلابات، بل كنظام صُمِّم بطريقة تجعل كل أزماته تتغذى من بعضها. وما لم نفهم هذه المنظومة كما هي—بنيتها العميقة، طبقاتها المتراكبة، القوى التي تحركها—فسنظل نعيد إنتاج الفشل كلما جاء جيل جديد يحمل الأمل ذاته.

إن “تفكيك السرديات” هنا ليس عملية أيديولوجية، بل محاولة لاستعادة الصورة كاملة قبل البدء في أي مشروع للحل. لأن أي حل يُبنى على قراءة مبتسرة سيعيد إنتاج المشكلة بوجه مختلف، بينما الفهم المنطقي—الذي يرى الطبقات المتداخلة كما هي—هو وحده الذي يفتح الطريق نحو مسار جديد لا يعتمد على شتم التروس، بل على إصلاح الماكينة من أساسها.

About The Author

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *