كتب :ادريس ايات

بعد نشر تحليلي الأخير حول استحالة سقوط جمهورية مالي في يد جماعة نصرة الإسلام والمسلمين الإرهابية، لاحظتُ أن كثيرًا من القرّاء – حتى بعض المهتمين بالشأن الإفريقي – قد اختلط عليهم الأمر بين جماعة النصرة كتنظيمٍ إرهابي تابعٍ لتنظيم القاعدة، وبين الحركة الوطنية لتحرير أزواد ذات الطابع القومي والسياسي، فضلًا عن أسئلةٍ متكرّرة حول أصل الجماعة، وقياداتها، وأسباب صعودها.
من هنا وُلدت فكرة هذه السلسلة، التي ستتكوّن من عشر حلقاتٍ متتالية، هدفها ليس التحليل الأكاديمي المتعمّق، بل تصحيح المفاهيم الجوهرية وتقديم صورة أوليّة لمن لا يعرف تركيبة الحركات في منطقة الساحل، أو لمن يستقي معلوماته من منشوراتٍ عابرة في وسائل التواصل.
إنها نصوص موجزة، لا تزعم الإحاطة بكل التفاصيل، لكنها تُقدّم خريطة فهمٍ مبدئية تُميّز بين الحركات السياسية، والجماعات الانفصالية، والتنظيمات الإرهابية، في منطقةٍ أصبحت عقدة التداخل بين السلاح والعقيدة والقبيلة.
نشأت حركة أزواد في أكتوبر 2011 من رحم القومية الطارقية، حين عاد المقاتلون الطوارق من ليبيا بعد سقوط القذافي، محمّلين بالسلاح وبفكرة استعادة هويةٍ ضاعت في رمال التاريخ ( طبعًا نشاطاتهم ترجع لأبعد من ذلك، لكنني اخترت أقرب تاريخ كي لا أطوّل الكتابة). تشكّلت الحركة رسميًا من اندماج حركتين محليتين هما “حركة شمال مالي” وبعض الفصائل المسلحة التي جمعتها راية الانفصال، واتخذت من الشمال المالي — الممتد بين كيدال وغاو وتمبكتو — فضاءً لمطلبها المركزي: الاستقلال أو الحكم الذاتي لمنطقة شمال مالي، التي سمّوها أزواد. قادها في بدايتها بلال آغ الشريف الذي أعلن في 6 أبريل 2012 قيام “دولة أزواد”، قبل أن تتبدّد التجربة سريعًا تحت ضربات الواقع الميداني وصعود الحركات الإسلامية المنافسة.
لم تكن حركة أزواد حركةً دينية ولا ذات بعدٍ أيديولوجيٍّ متشدد، بل استندت إلى نزعةٍ هوياتية تسعى إلى تمثيل الطوارق سياسيًا وثقافيًا، وإلى تقاسمٍ للسلطة والثروة في دولةٍ رأت فيها مركزيةً مفرطة وتهميشًا مزمنًا لشمالها، حسب مزاعمها. لكن الصراع مع الجماعات الجهادية غيّر وجه الحركة، إذ سرعان ما وجدت نفسها في مواجهة تنظيماتٍ أكثر تسليحًا وأقلّ تسامحًا، فاضطرت إلى التراجع من مواقع السيطرة إلى التفاوض السياسي. ومع مرور السنوات، تحوّلت MNLA إلى ركنٍ أساسيٍّ في تنسيقية حركات أزواد (CMA) التي أُنشئت عام 2014، ودخلت لاحقًا مفاوضات السلام التي أفضت إلى اتفاق الجزائر عام 2015، معلنةً بذلك انتقالها من التمرد إلى الحوار.
خلال تلك المرحلة، برزت قياداتٌ جديدة على رأسها الغَبّاس آغ انتالا (Alghabass Ag Intalla)، وهو زعيم طارقي من كيدال تولّى قيادة المجلس الأعلى لوحدة أزواد (HCUA) ثم ترأّس تنسيقية أزواد. في عهده تغيّر وجه الحركة من نزعة الانفصال إلى مشروعٍ سياسيٍّ يطالب بالحكم الذاتي ويعترف بوحدة الدولة المالية مع تعديلاتٍ بنيوية. تحت قيادته، انبثقت أيضًا فصائل فرعية مثل حركة إنقاذ أزواد (MSA)، تعبيرًا عن التنوع الداخلي في البنية الطارقية وعمق التحول من التمرد العسكري إلى الحراك التفاوضي. لقد تطورت حركة أزواد في السنوات اللاحقة من كيانٍ متمرّدٍ يحمل السلاح إلى فاعلٍ سياسيٍّ تفاوضيٍّ يسعى إلى إدارة مناطقه ضمن دولةٍ موحّدة، مع الحفاظ على البعد الإثني والجهوي لهويتها.
في المقابل، تمثّل جماعة نصرة الإسلام والمسلمين (JNIM) الإرهابي الوجه النقيض لهذا المسار. فهي تحالفٌ جهاديٌّ إرهابي أعلن تأسيسه في الثاني من مارس 2017، جمع بين أربع جماعات رئيسة: أنصار الدين بقيادة إياد أغ غالي، وكتيبة المرابطون التي كان يقودها مختار بلمختار من الجزائر، وإمارة الصحراء التابعة لتنظيم القاعدة ببلاد المغرب الإسلامي، وكتيبة ماسينا بزعامة أمادو كوفا. تحت مظلة القاعدة، توحّد هؤلاء ليؤسسوا أكثر التنظيمات الإرهابية نفوذًا في الساحل، متخذين من الشمال المالي قاعدةً مركزية لتمددهم نحو النيجر وبوركينا فاسو. لا تطالب جماعة النصرة الإرهابية بحدودٍ أو هويةٍ قومية، بل تعمل على إقامة “إمارة إسلامية” وفق فهمها الخاص للشريعة، وتستخدم أدوات العنف والاغتيالات والتفجيرات والتجنيد القسري والاختطاف كمناهج عملٍ يومية.
هذا الفارق في الجوهر هو ما يغيب عن الكثيرين. فـ حركة أزواد حركةٌ سياسية يمكن أن تُفاوض وتوقّع اتفاقات وتجلس على الطاولة، أما جماعة النصرة الجهادية فهي تنظيمٌ جهاديٌّ عابرٌ للحدود يرى التفاوض كفراً والمشاركة السياسية خيانةً للدين. تستمدّ حركة أزواد شرعيتها من شعبٍ له هوية ومطالب واضحة، بينما جماعة النصرة الإرهابية تستمدّ شرعيتها من فكرٍ متشددٍ لا يعترف بالشعب ولا بالدولة.
رغم ذلك، شهدت السنوات الأولى للصراع تقاطعاتٍ ميدانية بين الجانبين، حيث اضطرت حركات أزواد في بعض اللحظات إلى تحالفٍ مؤقتٍ مع أنصار الدين (التي أصبحت لاحقًا جزءًا من جماعة النصرة الإرهابية) ضد الجيش المالي والشعب، لا عن تقاربٍ عقائديٍّ بل من باب تكتيك الميدان. غير أنّ هذا التحالف سرعان ما انهار عندما بدأت الجماعات الجهادية بفرض رؤيتها المتشددة على السكان وتهديد النسيج القبلي نفسه، ما جعل الطوارق يرون فيها خطرًا وجوديًا على مشروعهم. ومنذ ذلك الحين، تباعدت المسارات: فـ حركات أزواد تفاوضت وانخرطت سياسيًا، بينما جماعة النصرة الإرهابية أعلنت الحرب على الجميع، بما في ذلك من كان حليفًا بالأمس.
إنّ فهم هذا التباين الجوهري بين المشروعين ضروريّ لفهم المشهد في شمال مالي اليوم. فـ حركة أزواد تعبّر عن قضية سياسية-هوياتية محدودة بالزمان والمكان، بينما جماعة النصرة الإرهابية تمثّل تنظيمًا جهاديًا دوليًا يرفض الحدود ويغتذي على الفوضى. ومن يخلط بين الاثنين، إمّا جهلًا بتاريخ الصراع، أو ترويجًا لخطابٍ يُسوّي بين الجماعتين.
ولعلّ ما يغيب عن كثيرين أن الطوارق الأزواديين أنفسهم كانوا من أبرز ضحايا الإرهاب، لا من حلفائه. فبعد أن كانت مناطقهم في كيدال وتمبكتو وغاو مسرحًا لحلم الهوية، تحوّلت على يد الجماعات الجهادية إلى فضاءاتٍ للخوف والانقسام. اغتالت جماعة النصرة الإرهابية شيوخ القبائل الذين رفضوا بيعتها، وأحرقت قرى طوارقية اتُّهمت بالتعاون مع الحكومة أو التنسيق مع بعثات الأمم المتحدة.
كما اختُطف وجهاء من عائلاتٍ طوارقية بارزة لإجبارهم على دفع الفدية أو إعلان الولاء، وتعرّض مئات المدنيين من النساء والأطفال للنزوح القسري. في مدينة كيدال وحدها، نزح الآلاف نحو الحدود الجزائرية بعد أن فرضت الجماعة أنظمة جباية وأحكامًا قسرية لا تمتّ بصلةٍ إلى القيم ولا الأعراف الطارقية التي كانت تُعلي من قيم التعايش.
هذا فقط لتوضيح اللبس، ولذلك من خرجوا في الآونة الأخيرة يتغنّون تحرشات جماعة النصرة الإرهابية، ويستبشرون بأن تقع مالي أو منطقة الساحل في أيدي جماعة النصرة الإرهابية أقلّ ما يُقال عنهم، أنّهم رعاةٌ إعلاميين للإرهاب، لا فرق جوهري بينهم وبين القوى الدولية التي ترعى هذه الجماعات لخلق فوضى ونشر القتل والدمار في دولنا .