كتب :ادريس ايات

تتناقل القنوات الفضائية وحسابات الناشطون مؤخرًا عناوين مثيرة من قبيل: «تنظيم نصرة الإسلام والمسلمين يحاصر العاصمة باماكو»، أو «نهاية وشيكة للمجلس العسكري في مالي»، و«سقوط جمهورية مالي في أيدي الجماعات الجهادية خلال أسابيع».
هذه العبارات المكرورة، التي غزت منصّات التواصل والصحف الإلكترونية غير المتخصّصة، لا تصدر في معظمها عن مصادر ميدانية موثوقة أو مؤسسات بحثية معروفة، بل عن ناشطين وصحفيين من الدرجة الثالثة ينتمون في الغالب إلى دولٍ لها خلافات سياسية مع باماكو، فينسجون سرديات رغبوية أو دعائية أكثر مما هي تحليلية. والغاية من وراء ذلك واضحة: تقديم الجيش المالي على أنهم فشلوا في مواجهة الإرهاب بعد طردهم للقوات الفرنسية واستعانتهم بالدعم الروسي والتركي.
ولعلّ هذا ما يفسّر أنّ ما يقارب تسعين بالمئة من تلك العناوين ذات طابعٍ سياسي محض، مترجمة مباشرةً من الحسابات والمنصّات الفرنسية، حتى إنّ الخرائط المصاحبة لها مرسومة في مؤسسات إعلامية فرنسية أو قنوات تدور في فلكها.
وإذا أمعنّا النظر في محتوى تلك المواد الصحفية أو التحليلية، نجد أنّها لا تعدو كونها امتدادًا للبروباغاندا قنوات RFI، LCI، تروّجها بعض القنوات الكبرى في العالم العربي كـ«الجزيرة» و«العربية»، من دون أن تكون على درايةٍ حقيقية بجغرافية الساحل الإفريقي ولا بتركيبته الأمنية والقبلية المعقّدة. فهذه المنابر، لقصور معرفتها بالمنطقة، تكتفي عادةً بترجمة النصوص الفرنسية أو الإنجليزية وتكييفها بسرعة، أو بالاعتماد على محادثاتٍ مع برامج الذكاء الاصطناعي لإعداد تقاريرها الإخبارية.
ولهذا، فإنّ أقلّ ما يمكن أن يُقال عن هذه المواد إنّها ترداد سطحي لإعلام موجَّه؛ أمّا أكثر ما يمكن أن يُقال فهو أنّ الترويج لفكرة سقوط مالي خلال أيامٍ ليس إلا فنتازيا سياسية لا تصمد أمام أيّ قراءة واقعية للمعطيات الميدانية. ولذلك يأتي هذا التحليل الجيو-أمني لتفنيد تلك المزاعم، اعتمادًا على بياناتٍ وتحليلات دقيقة، لا على الرغبات.

في البداية، لا أدّعي – بوصفي باحثًا في الدراسات الاستراتيجية والأمنية والأفريقية، وحرصي على التحليل الموضوعي وإن كان مؤلمًا أو صادمًا للبعض – أنّ مالي لا تواجه أزمة. بل على العكس، هناك أزمة حقيقية ومتعددة الأوجه تمسّ بنيتها السياسية والأمنية والاجتماعية. كما لا أنكر أنّ العاصمة باماكو تعيش شبه حصار، ولكنني أقول شبه حصار عن قصدٍ، لا حصارًا تامًا، وسأفصّل أسباب هذا التوصيف لاحقًا.
▪️2, ماذا عن شبه الحصار الراهن للعاصمة باماكو، ، ماذا يحدث؟
بين عامي 2023 و2025، دخلت مالي مرحلة حرجة من الصراع بين المجلس العسكري الحاكم والجماعات الإرهابية، وعلى رأسها جماعة النصرة المرتبط بالقاعدة. اعتمدت حكومة عاصيمي غويتا نهجًا عسكريًا صرفًا، رافضة أي تسوية أو تفاوض مع الإرهابيين وكذلك المسلحين، ومستنِدة إلى دعمٍ روسيٍّ وتركيٍّ متزايد، خاصة عبر الطائرات المسيّرة بيرقدار وأكنجي التي غيّرت موازين المعارك في الشمال والوسط.
في المقابل، استغل اإياد أغ غالي، زعيم تنظيم نصرة الإسلام والمسلمين ( تنظيم للقاعدة) في مالي؛ انسحاب القوات الفرنسية ثم بعثة الأمم المتحدة (مينوسما) لإطلاق ما وصفه المراقبون بـ«الحرب الشاملة» ضد باماكو، محاولًا استثمار الفراغ الأمني الدولي لترسيخ نفوذه في مناطق الطوارق والفولان.
وفي النصف الثاني من عام 2023، برز تطوّر آخر لافت تمثّل في تعاونٍ ميداني بين جماعة النصرة وحركات التمرد الأزوادية (CMA)، بما في ذلك فصائل كانت سابقًا قريبة من الحكومة مثل مليشيا غاتيا. التقت مصالح الطرفين – ولو مؤقتًا – على هدفٍ مشترك هو إسقاط “حكم الكولونيلات” في باماكو وطرد مرتزقة فاغنر وفق تعبيرهم. إلا أنّ التحالف سرعان ما تفكّك بفعل التناقض العقائدي العميق.
أثار هذا التحالف غير المسبوق قلق السلطة الحاكمة في باماكو؛ إذ مثّل لأول مرة التقاء المسلحين الجهاديين والانفصاليين في جبهة واحدة. ورغم التباين العقائدي بينهما – فالأزواديون يسعون لدولة مدنية علمانية، فيما يطمح إياد أغ غالي إلى إقامة نظامٍ إسلاميٍ يقوم على الشريعة والخلافة على نهج تنظيم القاعدة– إلا أنّ الانتماء القبلي المشترك جعل خطوط المعركة متبدلةً حسب المصالح الظرفية. فإياد نفسه من أصول طارقية، وغالبًا ما يهاجم الجيش المالي انتقامًا لانتصاراته على المتمردين الأزواديين. غير أنّ هذا التحالف الهش لم يدم طويلًا؛ إذ سرعان ما اندلعت مواجهات بين الطرفين في شمال مالي، خسر فيها الأزواديون عددًا معتبرًا من مقاتليهم أمام مسلحي النصرة الإرهابيين.
▪️خطة “الحصار عن بُعد” (سبتمبر 2025)
بلغ تصعيد جماعة النصرة ذروته ضد حكومة مالي، ذروته في صيف 2025، حين شرع تنظيم نصرة الإسلام في تنفيذ حصارٍ اقتصادي غير مباشر للعاصمة باماكو، في ما عُرف بـ”استراتيجية الحصار عن بُعد”. بدأ التنفيذ في 3 سبتمبر 2025، عبر السيطرة التدريجية على الطرق الدولية التي تربط مالي بدول الجوار – وهي شرايين حياة الدولة الحبيسة التي لا تملك منفذًا بحريًا:
1.طريق داكار – باماكو (غربًا)؛ بحدود دولة السنغال: وهو الممر الحيوي لاستيراد المواد الغذائية، وقد شهدت مقاطع كيتا – كايس – نارا هجمات متكررة عطّلت الحركة التجارية.
2.طريق أبيدجان – باماكو (جنوبًا)، ؛ بحدود دولة ساحل العاج: المخصص لنقل الوقود والبضائع، وتعرضت فيه مناطق سيكاسو – بوجوني لكمائن متكررة أحرقت عشرات الصهاريج وأجبرت السلطات على إغلاق بعض المقاطع ليلًا.
3.طريق نواكشوط – باماكو (شمال غرب) ؛ بحدود دولة موريتانيا: الأقل كثافة تجارية، لكنه ذو بعدٍ استراتيجي، إذ تحوّل إلى منطقة رمادية تُستخدم لتهريب السلاح والوقود.
أدّت هذه العمليات إلى شللٍ شبه تام في الحركة اللوجستية واندلاع أزمة وقود خانقة استمرت أكثر من أسبوعين. ووفق مكتب المنتجات البترولية (ONAP)، فإن المخزون الاستراتيجي من الوقود كادت تنفد تمامًا في مطلع أكتوبر، ما أدى إلى طوابير طويلة أمام المحطات وتوقف المواصلات العامة.

▪️لكن ما دوافع حصار جماعة النصرة المباشر للعاصمة باماكو، وما ردّ الحكومة المالية؟
جاء الحصار ردًا على قرار الحكومة منع بيع الوقود في الأرياف لتجفيف مصادر الوقود التي تموّن دراجات الجهاديين في الأسواق السوداء والشعبية. فاختار إياد أغ غالي الرد بحرمان العاصمة من الوقود نفسه لإجبار السلطة على التفاوض. وأعلنت جماعته أن الهدف هو “تطويق باماكو وخنقها اقتصاديًا حتى تذعن”. وقدّر معهد تمبكتو للأبحاث أن الجماعة تسعى عبر هذا الأسلوب إلى «خنق الشرايين اللوجستية للعاصمة».
في المقابل، شنّ الجيش المالي حملة عسكرية واسعة في مناطق دياما ونورو وكاي غرب البلاد لتفكيك الحواجز وتأمين الطرق. وتمكّن بحلول منتصف أكتوبر من إدخال 300 شاحنة وقود إلى العاصمة تحت حماية عسكرية، ما ساعد في تخفيف الأزمة واستقرار الأسعار عند حدود 775 فرنكًا إفريقيًا للتر. ومع ذلك، استمرت الهجمات بأسلوب الكرّ والفرّ، وش عمليات خطف للمسافرين وإحراق صهاريج جديدة، خصوصًا على الطرق المؤدية إلى السنغال وساحل العاج.
إذن، بناءً على سبق، لماذا أزعم أنّ باماكو لن تسقط قريبا؟
لماذا لن تسقط مالي في المستقبل القريب والمتوسط؟
أولاً: من يفهم عمق تنظيم جماعة النصرة (JNIM) يدرك أنها لا تبني استراتيجيتها على اقتحام مدينة مثل العاصمة باماكو – على غرار ما حصل في أفغانستان أو سوريا – بل تفضّل العمل في مناطق الصحارى والجبال والأرياف حيث الملاذات الآمنة، إمكانية تحشيد المقاتلين، وبُنى لوجستية أقل رقابة من الدولة.
فاقتحامها باماكو سيكون بمثابة “انتحار تكتيكي”: إذ لا تملك الخبرة في إدارة المدن المفتوحة، ولا في مواجهة جيش مركّز في العاصمة. ووفقاً لتقارير متعددة، يقدّر عدد مقاتلي جماعة النصرة بحوالي 6000 مقاتل في عام 2025؛ بينما يُقدّر عدد أفراد جيش مالي بـحوالي 40 ألف جندي(وفق مؤشر القوة العسكرية Global Firepower) وهو جيشٌ مدرّب على الحروب التقليدية والقتال المُباشر، مع دعم جوي وبري من تحالفات خارجية بما يشمل تركيا وطائراتها المسيّرة، والفيلق الأفريقي الروسي وحتى تحالفات غير معلنة مع الولايات المتحدة، فقد عادت مطلع 2025.
تضع هذه المعادلة جماعة النصرة في موقع دفاعي وليس هجومي، فهدفها هو “استنزاف الدولة” لا إسقاطها دفعة واحدة، وهو ما تؤكده حتى رسائلها الإعلامية الرسمية على جريدتها التي تدعى؛ الزلاقة. وبالتالي، إن عدم وجود قدرة لا عددية ولا لوجستية لهجوم على العاصمة يُعد عاملاً حاسماً في استمرارية الدولة المالية.
ثانياً: الحاضنة العرقية
إحدى أهم نقاط قوة الجماعات الإرهابية تكمن في كونها تتغلغل داخل مناطق تحوي حاضنة عرقية لها؛ فعلى سبيل المثال، تُعد قبائل الفولاني محوراً أساسياً في حركة كتيبة ماسينا، وتنشط حركة الطوارق بقوة شمال مالي.
أما العاصمة باماكو، فالمجتمع فيها تهيمن عليه غالبية من قبائل البامبرا (Bambara) – وهي أكثر القوميات عدداً في الجنوب والغرب المالي، وتمتلك شبكة اجتماعية واقتصادية واسعة. وبالتالي، فإن دخول جماعة النصرة إلى باماكو كقوة حاكمة سيُستقبل برفض شعبي واجتماعي مباشر؛ فالأسر البامبراوية فقدت أفراداً في النشاطات الإرهابية، ولن تنظر لهذه الجماعة كمخلّص، بل كمحتل إرهابي. ولذلك، حتى في سيناريو انهيار الجيش المالي، فإن جماعة النصرة ستواجه صعوبة هائلة في فرض سلطة محلية أو إدارة باماكو، مما يجعله سيناريو شبه مستحيل.
ثالثاً: في أواخر أكتوبر، ومع اشتداد الحصار عن بُعد، راهنت الجماعة -في لحظة ظرفية- على أن يؤدي السخط الشعبي إلى انهيار الحكومة المالية من الداخل. غير أن الحسابات الميدانية أخطأت التقدير في ثلاثة محاور رئيسة. أولاً، رغم حالة الغضب الشعبي من أزمة الوقود والغلاء الناتج عنها، فإنّ الشارع لم يتحرك بالاتجاه الذي أرادته الجماعة؛ فالمواطن المالي، وهو يدرك طبيعة الخطر الذي تمثله الجماعات الإرهابية، اختار الالتفاف حول حكومته بدلاً من الانقلاب عليها.
وهكذا، نجح المجلس العسكري في تجديد عقد الثقة مع المواطنين، وتحوّلت لحظة الحصار التي أرادتها النصرة أداة لزعزعة السلطة إلى فرصة لإعادة ترميم العلاقة بين الدولة وسكان العاصمة.
ثانياً، أخطأت الجماعة في تقدير المعادلة السياسية الداخلية، إذ لا وجود لأي قوة سياسية أو حزبية كانت مستعدة لتولّي الحكم في حال سقوط باماكو. وحتى القوى التي تحتفظ ببعض الشعبية رفضت ضمنيًا فكرة أن تُربط باسمها إدارة العاصمة تحت راية تنظيم مصنّف إرهابيًا، لأنّ ذلك يعني انتحارًا سياسيًا على المدى القريب ونهاية حتمية على المدى البعيد.
وزاد من تعقيد الصورة أنّ جرائم جماعة النصرة في الوسط المالي، لا سيما ضد المدنيين من الفولاني والدوجون، جعلت صورتها في أذهان الرأي العام المالي شبيهة بفظائع ميليشيا الدعم السريع في السودان والفاشر، ما أفقدها أي رصيدٍ أخلاقيّ يمكن أن تستند إليه لإقناع السكان بأنها البديل الممكن للحكومة.
يُضاف إلى ذلك أنّ الجيش المالي، على عكس التصورات السطحية التي تروّجها بعض القنوات، قد اكتسب خبرة ميدانية واسعة خلال السنوات الأخيرة. فعملياته الناجحة في الوسط والشمال، وإن كانت متفرقة، أسهمت في رفع جاهزيته وقدرته على التكيّف مع حرب العصابات. وكانت جماعة النصرة تراهن على أن يستدعي الجيش قواته من تلك المناطق لحماية العاصمة، ما يقلل الضغط العسكري عليها في الشمال.
غير أنّ القيادة العسكرية تفطنت لتلك الخدعة، واختارت العمل بهوامش الوقت، فتركت القوات في مواقعها شمالاً، وأبقت على الحد الأدنى في الجنوب. ومع ذلك، ركّزت النصرة هجماتها على القوافل العسكرية وشاحنات الوقود، إدراكًا منها أنّ الوقود هو عصب المعركة، وأنّ حرمانها منه يعني شلّ حركة دراجاتها النارية التي تُستخدم في التنقل والكمائن.
بهذا المعنى، فإنّ المعركة على الوقود كانت عنوان الحصار الحقيقي، ومع ذلك لم تنجح الجماعة في تحويلها إلى مكسب استراتيجي، بل كشفت محدودية قدرتها على تحويل الاستنزاف إلى إسقاط، ما عزّز بقاء الحكومة.
▪️ لماذا إذن تُطالب السفارات الغربية من رعاياها مغادرة مالي؟ ألا يدل على وشك الانهيار فعلًا؟
قد يبدو سؤالًا منطقيًا: إذا كان الوضع مستقرًا كما يقول تحليلي، فلماذا طلبت العديد من السفارات الغربية من رعاياها مغادرة البلاد؟
الجواب بسيط. الأمر لا علاقة له بوشيك سقوط باماكو، بل يرتبط بتكتيك معروف لدى الجماعات الجهادية في الساحل يقوم على استهداف رعايا الدول الغربية والعربية لاختطافهم مقابل فديات مالية بملايين الدولارات، وهو أحد مصادر التمويل غير المباشر لتلك التنظيمات.
ففي الأسابيع الماضية، سُجلت عمليات اختطاف لرعايا غربيين، ثم إماراتيين، ثم مصريين، بينما تمتد قائمة الاختطافات السابقة في وسط البلاد لتشمل جنسيات متعددة. لذا فإن التحذيرات الدبلوماسية لا تعني انهيارًا أمنيًا شاملاً، بل هي إجراء وقائي بحت ضد الاختطاف، لا أكثر.
أما ما يُتداول على شبكات التواصل الاجتماعي من شائعات عن “سقوط وشيك”، فهو جزء من الدعاية الرقمية الفرنسية التي صُممت لتشويه صورة السلطات المالية، واستثارة الرأي العام بالقول : قالوا إنّ فرنسا فشلت في غضون 10 أعوام للقضاء على 5000 جهاديين، فطرُدنا، لكن روسيا التي استبدلنا بها هي أيضًا فشلت.
وفي دراسة تحليلية يؤكدالصحفي المالي يوسف جوارا؛ اعتمدت على تفكيك أكثر من 15 ألف منشور و387 مقالًا أن الخطاب الإعلامي الفرنسي ضخّم مصطلحات “الانهيار” بنسبة 12 000%، وأن أغلب المفردات المنذرة بنهاية وشيكة مصدرها باريس.
ويضيف جوارا أن فكرة “سيطرة الإرهابيين على باماكو” خيال إعلامي، فالعاصمة محمية بأنظمة دفاع متعددة الطبقات، وبقوة نيران متفوقة، وأعداد عسكرية كبيرة، مدعومة من شركاء تحالف دول الساحل. بينما جماعة النصرة تفتقر للمدفعية الثقيلة والمركبات المدرعة والطائرات، لشن هجوم تقليدي على مدينة يتجاوز عدد سكانها مليونين ونصف نسمة.
إذن، المبالغة في الحديث عن “سقوط مالي” ليست إلا فانتازيا إعلامية غذّتها شبكات دعاية فرنسية، وبعض الحسابات الساعية للترند لا للتحليل.
-
ومع جميع ما سبق؛ سأكون صريحًا معكم؛ مالي تمرّ بمرحلة معقّدة بلا شك، وقد ارتُكبت فيها أخطاء في إدارة الملف الأمني ومكافحة الإرهاب، خصوصًا في المراحل الأولى من التعاون مع فاغنر (سأكتب عن الموضوع لاحقا). ومع ذلك، فالمقارنة بين نتائج مالي وبوركينا فاسو مثلًا تُظهر أن الأخيرة – بتنسيقها العسكري مع روسيا واعتمادها استراتيجية مغايرة – حققت نجاحات ملموسة ضد جماعة النصرة التي تتنشطّ في بلد إبراهيم تراوري أيضاً، وعاد آلاف من النازحين إلى قراهم، وهو ما تأمل باماكو تحقيقه في المدى المتوسط.
لكن الحقيقة الأخرى، أن سكان باماكو رغم شبه الحصاريعيشون حياتهم بشكل طبيعي: الأسواق مفتوحة، السلع الأساسية متوفرة، والمظاهر اليومية لا تعكس أي حالة ذعر أو انهيار اقتصادي. كانت الأزمة الحقيقية في نقص الوقود وتباطؤ النقل، لكنّ الحكومة واجهتها بتنظيم جديد لتوزيع المحروقات عبر قوافل تخضع للمراقبة العسكرية، ما حدّ من عمليات التهريب نحو الجماعات الإرهابية.
لقد تعاملت السلطات المالية مع الأزمة ببرود أعصاب ملحوظ؛ لم تُصدر بيانات دفاعية متوترة، ولم تدخل في سباق نفيٍ للدعاية الفرنسية، بل تركت الوقائع تتكلم. هذا الثبات في الموقف هو ما يزعج باريس تحديدًا، لأنه يُظهر أن باماكو لا ترى من مناقشة سيناريو السقوط أو الانهيار شيئًا تستحق الرد حتى.
في المقابل، أظهر بعض النشطاء والصحفيين في دول الجوار شماتة غريبة، بل لجأ بعضهم إلى نشر خرائط ومقاطع من عام 2012 وكأنها حديثة، فقط لأنّ حكوماتهم على خلاف مع السلطات المالية. تلك الشماتة، بصراحة، لا تُفسَّر إلا على أنها اختلال أخلاقي.
لماذا هو اختلال أخلاقي؟ وفق مؤشر الإرهاب العالمي (GTI)، فقد شهدت منطقة الساحل بين عامي 2007 و2022 ما يقارب 22074 وفاة في 6408 هجوم إرهابي.
ويبلغ المتوسط السنوي للأعوام الأخيرة (2023-2025) نحو 10500 وفاة سنويًا من الأبرياء أغلبهم نساء وأطفال، نصفها بسبب جماعة النصرة بقيادة إياد أغ غالي. ثم تجد من يتلذذ باحتمالية سقوط باماكو في أيدي هذه الجماعة الإرهابية، هذه -باختصار – أمنية مرضية.
في الخلاصة: نقول لمن يراهنون على سقوط مالي، ولمن يسعدهم احتمال انهيار باماكو، نقول لهم بوضوح: حتى وإن اختلفتَ مع الحكم العسكري، لا شيء يبرر أن تتمنى سقوط دولة تضم ملايين المدنيين في يد تنظيم إرهابيٍّ دمويٍّ، هو نفسه صنيعة أجهزة دولية تدّعي محاربته.
باماكو لن تسقط، لا في الأيام القليلة القادمة، ولا في السنوات المقبلة — لأنها، رغم كل الأزمات، ما زالت تمتلك الدولة والجيش والوعي الجمعي، وهو ما تفتقر إليه الدعاية التي تتمنى سقوطها.
إدريس آيات- قسم العلوم السياسية- جامعة الكويت!