منصة قلب إفريقيا الإخبارية

  السجن والغرامة للرئيس الموريتاني السابق

تقرير:سلطان البان

شدّدت محكمة الاستئناف في نواكشوط الحكم الصادر بحق الرئيس الموريتاني السابق محمد ولد عبد العزيز، فحكمت بسجنه خمس عشرة سنة مع النفاذ وفرضت عليه غرامة غير مسبوقة تجاوزت المليار أوقية (أي نحو أربعة ملايين دولار)، ما يمثل تصعيدًا لافتًا في ملف “فساد العشرية” الذي يحاكم فيه واحد من أبرز قادة البلاد خلال العقدين الأخيرين.

 ويأتي الحكم في ظل تصاعد الجدل السياسي والقضائي حول محاربة الفساد وتثبيت استقلالية القضاء، وسط تبني أطراف معارضة للحكم بوصفه خطوة أولى نحو إنهاء الإفلات من العقاب ومواجهة شبكات النفوذ التي تشكّلت خلال فترة حكم ولد عبد العزيز، فيما يرى الدفاع أنّ القرار يفتقر للشرعية الدستورية ويعدّ سابقة لم يشهدها القضاء الموريتاني من قبل.

تعود محاكمة ولد عبد العزيز إلى ما عُرف بـ”ملف فساد العشرية”، حيث وُجهت إليه تهم تتعلق بالإثراء غير المشروع واستغلال النفوذ على نطاق واسع خلال فترة رئاسته الممتدة من 2009 إلى 2019.

وكانت المحكمة المختصة بجرائم الفساد قد أصدرت في ديسمبر 2023 حكمًا بسجنه خمس سنوات وحرمانه من حقوقه المدنية، قبل أن تقوم محكمة الاستئناف بتغليظ العقوبة وتوسيع نطاق المصادرات لتشمل أصولًا وممتلكات عائلية.

يحمل تأكيد الحكم وتغليظ العقوبة والغرامة دلالات سياسية وقضائية بارزة في المشهد الموريتاني الراهن؛

محاولة من الحكومة لإبراز استقلالية القضاء في مواجهة شبكات الفساد، وتأكيد التزامها بمحاسبة المسؤولين مهما كانت مناصبهم.

تزامن القرار مع تصاعد الجدل حول تقارير محكمة الحسابات، ما وضع السلطة أمام اختبار مزدوج يتعلق بالشفافية وحماية المال العام.

تبني المعارضة للحكم بوصفه خطوة إيجابية وغير مسبوقة في تاريخ البلاد، مع انعكاسات واضحة على خطابها الإعلامي وموقفها من ملفات الفساد.

في المقابل يرى فريق الدفاع عن الرئيس السابق أن الحكم مخالف للدستور، خاصة للمادة 93، التي تنص على أن محاكمة رئيس الجمهورية تكون أمام محكمة العدل السامية فقط في حالات الخيانة العظمى. واعتبر الدفاع أن قرار محكمة الاستئناف «مشوب بعدم الاختصاص والبطلان القطعي»، معلنًا عزمه تقديم طعن أمام المحكمة العليا لنقض الحكم. 

ورغم ذلك، يمثل القرار سابقة غير مسبوقة في تاريخ القضاء الموريتاني من حيث حجم العقوبة واتساع نطاق المصادرات.

 توقعات مستقبلية

 من المتوقع ان يسهم الحكم في تثبيت قواعد جديدة لمسؤولية النخبة السياسية بعد مغادرتها السلطة.

وسيؤثر القرار في علاقة النخبة الحاكمة الحالية مع شبكات المصالح الاقتصادية والإدارية التي تشكلت خلال “العشرية”، ما قد يؤدي إلى تشكل تحالفات جديدة أو تصدعات داخل مراكز النفوذ.

واستمرار سجن رئيس سابق نافذ، مع فرض غرامة مالية غير مسبوقة، سيعيد رسم ملامح العلاقة بين المؤسستين السياسية والقضائية في موريتانيا لسنوات قادمة.

ويعكس الحكم ترسيخًا لخطاب محاربة الفساد وتجديدًا لمناخ المساءلة، لكنه في الوقت نفسه يُظهر عمق التوتر والاستقطاب في هرم السلطة، ويعيد إلى الواجهة النقاش حول الشرعية الدستورية للأحكام القضائية العليا، في لحظة سياسية دقيقة تشهدها موريتانيا.

About The Author

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *