كنب :محمد الامين سوادغو
سِتة أعمال مُهمّة في أيام عشر ذي الحجة تَعرّٰف عليها…من آثار السّلف الصالح نَتقيّد بها ونتعلم…فخذ بها…
إنّ الوقوفَ على آثار السلف الصالح وعباد الله الصالحين من الصحابة رضي الله عنهم وكل مَن تبعهم بعبادةٍ وإحسانٍ الى يوم الدين مُهمٌ لكل مسلم ومسلمة، فمعرفة جهودهم في مواسم العبادات يشجع كل مسلم ومسلمة على بذل الجهود في عبادة الله، يقول ابن الجوزي رحمه الله ناصحا:”وعليكم بملاحظة سير السلف ومطالعة تصانيفهم وأخبارهم، والاستكثار من مطالعة كتبهم رؤية لهم”. صيد الخاطر ص: 440.
يَجتمع في أيام عشر ذي الحجة أمهات العبادات والفضائل، ولهذا كان السّلف رضي الله عنهم يشتغلونها في العبادات وقراءة القرآن الكريم والصدقات؛ قال ابن حجر في الفتح: “والذي يظهر أنّ السّبب في امتياز عشر ذي الحجة لمكان اجتماع أمهات العبادة فيه، وهي الصلاة والصيام والصدقة والحج، ولا يتأتى ذلك في غيره”. فتح الباري 2/460.
وقد أقسم الله بهذه الأيام المباركات ممّا يدل على أهميتها وبَرَكتها؛ فقال (والفجر، وليالٍ عشرٍ) سورة الفجر:1، 2. قال ابن كثير عنها: “والليالي العشر المراد بها عشر ذي الحجة، كما قاله ابن عباس وابن الزبير ومجاهد وغير واحد من السّلف والخلف وهو الصحيح”. تفسير ابن كثير 8/ 381.
وقال أبو عثمان النهدي: “كانوا(أي السلف الصالح) يعظمون ثلاث عشرات: العشر الأخير من رمضان، والعشر الأول من ذي الحجة، والعشر الأول من المحرم”. التبصرة لابن الجوزي 2/ 124.
وقال الإمام السيوطي رحمه الله: “أخرج محمد بن نصر في كتاب الصلاة عن أبي عثمان قال: كانوا يعظِّمون ثلاث عشرات: العشر الأوائل من المحرَّم، والعشر الأُوَل من ذي الحِجَّة، والعشر الأخير من رمضان”.
وقال ابنُ رَجَبٍ: (روى المروزيُّ عن ميمونَ بنِ مِهْرانٍ قال: أدركتُ الناسَ وإنهم ليُكبِّرون في العَشْرِ، حتى كُنتُ أُشبِّهُهُ بالأمواجِ من كثرتِهَا، ويقولُ: إنَّ الناسَ قد نَقَصُوا في تركِهِمُ التكبير) انتهى.
كان السّلف الصالح يتركون جميع أعمالهم وأشغالهم حتى التدريس ويتفرغون للعبادة في أيام عشر ذي الحجة، قال الأثرم أحد تلاميذ الإمام أحمد: “أتينا أبا عبد الله يعني أحمد بن حنبل، في عشر الأضحى فقال: قال أبو عوانة: كنا نأتي سعيد الجريري في العشر فيقول: هذه أيام شغل وللناس حاجات، وابن آدم إلى الملال ما هو”.الأثرم للأمام أحمد بن حنبل، ص: 39.
وسُئل شيخ الإسلام ابن تيمية عن عشر ذي الحجة والعشر الأواخر من رمضان؛ أيُّهما أفضل؟ فأجاب: “أيام عشر ذي الحجة أفضل من أيام العشر من رمضان، والليالي العشر الأواخر من رمضان أفضل من ليالي عشر ذي الحجة”.
ويقول أبو حاتم الرازي:” أتيت يحيى بن معين أيام العشر ـ عشر ذي الحجة ـ وكان معي شيء مكتوب ـ يعنى: تسمية ناقلى الآثار ـ وكنت أسأله خفياً فيجيبنى، فلما أكثرت عليه، قال: عندك مكتوب؟ قلت: نعم، فأخذه فنظر فيه فقال: أياماً مثل هذا ؟! وذكر الناس فيها؟ فأبى أن يجيبنى وقال: لو سألت من حفظك شيئاً لأجبتك، فأما أن تدونه فإنى أكره”. الجرح والتعديل1/317.
وقال العلامة ابن عثيمين رحمه الله: “يظن بعض الناس أن العشر الأواخر من رمضان أفضل من العشر الأوائل من شهر ذي الحِجَّة، والأمر بالعكس، العمل الصالح في العشر الأوائل من ذي الحِجَّة أحبُّ إلى الله من العمل الصالح في العشر الأواخر من رمضان”.
ومن أصناف عبادات السلف الصالح أيام عشر ذي الحجة:-
1- الاكثارُ من العبادة والاعتكاف في أيام عشر ذي الحجة:-
كان التابعي سعيد بن جبير رضي الله عنه إذا دخلت أيام العشر اجتهد اجتهاداً شديداً حتى ما يكاد يقدر عليه، بل يأمر ويقول: “لا تطفئوا سرجكم ليالي العشر تعجبه العبادة، وكان الحافظ ابن عساكر يعتكف في شهر رمضان، وعشر ذي الحجة”. ينظر: وتذكرة الحفاظ 4/ 1332
ولطائف المعارف ص:263.
2- الإكثارُ من الصوم في أيام عشر ذي الحجة:
عن بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، قالت: “كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم تسع ذي الحجة، ويوم عاشوراء، وثلاثة أيام من كل شهر” [رواه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي]، قال الإمام النووي عن صوم أيام العشر: “إنه مستحب استحبابًا شديدًا”.
وعن الليث رحمه الله قال: “كان مجاهد يصوم العشر… وكان عطاء يتكلَّفها”. وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني رحمه الله: “استُدِلَّ به على فضل صيام عشر ذي الحِجَّة؛ لاندراج الصوم في العمل”.
وقال العلامة ابن باز رحمه الله: “الرسول صلى الله عليه وسلم حضَّ على العمل الصالح فيها، والصيام من العمل الصالح… فإذا صامها أو تصدق فيها، فهو على خير عظيم”.
وقال العلامة عبدالله الجبرين رحمه الله: “أنواع العمل في هذه العشر: الثاني: صيام هذه الأيام أو ما تيسَّر منها، وبالأخص يوم عرفة”.
وكان أئمة التابعين من أمثال محمد بن سيرين ومجاهد وعيسى بن علي بن عبد الله بن عباس يصومون العشر كله، بل كان عطاء يتكلف صيامها. ينظر مصنف ابن أبى شيبة 2/300
وكان الحسن البصري يكره أن يتطوع بصيام وعليه قضاء من رمضان إلا العشر، وآكد الصيام صوم يوم عرفة، لذا ترى سعيد بن جبير يقول:” أيقظوا خدمكم يتسحرون لصوم يوم عرفة”.سير أعلام النبلاء 4/ 326
3 – الاكثارُ مِن الذكر والتهليل والتحميد في أيام عشر ذي الحجة:
قال العلامة ابن القيم رحمه الله: “كان صلى الله عليه وسلم يُكْثِرُ الدعاء في عشر ذي الحِجَّة، ويأمرُ فيه بالإكثار من التهليل والتكبير والتحميد”.
وقال النووي: (واعلم أنه يُستحبُّ الإِكثارُ من الأذكارِ في هذا العشر زيادةً على غيرهِ، ويُستحبُّ من ذلكَ في يوم عَرَفةَ أكثرَ من باقي العشرِ) انتهى.
وقال العلامة ابن عثيمين رحمه الله: “ينبغي أن نُكثر من ذكر الله وتحميده وتكبيره في أيام التشريق، كما نُكْثِرُه في أيام العشر”.
وعن ثابت البناني قال:” كان الناس يكبرون أيام العشر حتى نهاهم الحجاج، والأمر بمكة على ذلك إلى اليوم يكبر الناس في الأسواق في العشر”. أخبار مكة للفاكهي3/10.
وعن ميمون بن مهران، قال: “أدركت الناس وإنهم ليكبرون في العشر، حتى كنت أشبهه بالأمواج من كثرتها”. فتح الباري شرح صحيح البخاري 9/9
وسمع مجاهد رجلا كبّر أيام العشر فقال مجاهد: “أفلا رفع صوته؛ فلقد أدركتهم وإن الرجل ليكبر في المسجد فيرتج بها أهل المسجد، ثم يخرج الصوت إلى أهل الوادي حتى يبلغ الأبطح فيرتج بها أهل الأبطح وإنما أصلها من رجل”. مصنف ابن أبي شيبة 3 /250.
4- الاكثارُ مِن التّهليل والتّكبير في المساجد والأسواق في أيام عشر ذي ااحجة:
كبَّر رجلٌ أيام العشر، فقال مجاهد رحمه الله: “أفَلا رفع صوته؟ فلقد أدركتهم وإن الرجل لَيُكَبِّر في المسجد فيرتجُّ بها أهل المسجد، ثم يخرج الصوت إلى أهل الوادي حتى يبلغ الأبطح، فيرتجُّ بها أهل الأبطح”.
وقال الإمام البخاري رحمه الله: “كان ابن عمر وأبو هريرة يخرجان إلى السوق في أيام العشر يُكبِّران، ويُكبِّر الناس بتكبيرهما”.
5 – أداء الحج والعُمرة في أيام عشر ذي الحجة:
قال العلامة عبدالله الجبرين رحمه الله: “أنواع العمل في هذه العشر: الأول: أداء الحج والعمرة، وهو أفضل ما يُعمَل، ويدل على فضله عدة أحاديث؛ منها قوله صلى الله عليه وسلم: ((العمرة إلى العمرة كفَّارة لِما بينهما، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة))، وغيره من الأحاديث الصحيحة”.
ويجعل ابن عمر رضي الله عنهما يقول: “عمرة في العشر الأول من ذي الحجة أحب إليَّ من أن أعتمر في العشر البواقي”. مصنف ابن أبي شيبة 3/160
وعن أبي معن قال: “رأيت جابر بن زيد وأبا العالية اعتمرا في العشر”. مصنف ابن أبي شيبة 3/160
وقال الحافظُ ابنُ رجب رحمه الله: “لمَّا كان اللهُ سبحانه قد وضعَ في نفوسِ المؤمنين حنينًا إلى مشاهدةِ بيته الحرامِ، وليس كلُّ أحدٍ قادرًا على مشاهدتِه في كلِّ عامٍ، فرَضَ على المستطيعِ الحجَّ مرةً واحدةً في عُمرِه، وجعلَ موسمَ العشرِ مشتركًا بين السائرينَ والقاعدينَ، فمَن عجزَ عن الحجِّ في عامٍ، قَدَرَ في العشرِ على عملٍ يعملُه في بيتِه يكونُ أفضلَ مِن الجهادِ الذي هو أفضلُ مِن الحجِّ”.
لطائف المعارف لابن رجب، ص: 272
6- الإكثار من الأعمال الصالحة كالصدقة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وغيرها في أيام عشر ذي الحجة:-
قال صلى الله عليه وسلم: “ما من أيام أعظم عند الله سبحانه ولا أحب إليه العمل فيهن من هذه العشر”، ومن الأعمال الصالحة التي غفل عنها بعض الناس: قراءة القرآن، وكثرة الصدقة، والإنفاق على المساكين، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وغيرها.
وقال ابن القيم رحمه الله:” “فإن للصدقة تأثيرًا عجيبًا في دفع البلاء ولو كانت من فاجر أو ظالم بل من كافر، فإن الله يدفع بها أنواعاً من البلاء، وهذا أمر معلوم عند الناس خاصتهم وعامتهم، وأهل الأرض كلهم مقرون به لأنهم جربوه”. وإن أعظم أنواع الصدقة على ذوي القرابة والرحم، فإن الأجر مضاعف، قال صلى الله عليه وسلم: “الصدقة على المسكين صدقة، وعلى ذي الرحم اثنتان، صدقة وصلة” [رواه الخمسة].
أسأل الله أن يتقبل مني ومنكم صالح الأعمال…اللهم إني أسألك من الخير كله عاجله وآجله ما علمتُ منه وما لم أعلم ، وأعوذ بك من الشر كله عاجله وآجله ما علمتُ منه وما لم أعلم، اللهم إني أسألك من خير ما سألك عبدك ونبيك؟ وأعوذ بك من شر ما عاذ به عبدك ونبيك، اللهم إني أسألك الجنة وما قرب إليها من قول أو عمل، وأعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول أو عمل، وأسألك أن تجعل كل قضاء قضيتُه لي خير.
آمين يارب العالمين
سوادغو