منصة قلب إفريقيا الإخبارية

طقوس رمضانية في كرن الاريترية

كتب :موسى ادريس

للشهر الفضيل في مدينة كرن “البوتقة” التي غادرتها قسرا مثلي مثل غيري من أبناء مدينتي المعروفة بتنوع ساكنيها، طقوس خاصة تنطلق بواكيرها منتصف شهر شعبان وتستمر حتى يهل هلال شهر رمضان المبارك، حيث تستعد الأسر لتجهيز الأطعمة الرمضانية التقليدية على قلتها، ففي منزلنا المتواضع كانت الوالدة رحمها الله وأسكنها الفردوس الأعلى، تنهمك خلال الربع الأخير من شهر شعبان في تنظيف وغسل كميات كبيرة من حبوب القمح والشعير بعد إزالة الأتربة والشوائب والقشور وتجفيفه تحت أشعة الشمس قبل الدفع به للمطحنة أو “الطاحونة” بمسماها التقليدي، بإعتبار ان القمح مكون أساس في إعداد شوربة الأفطار الرمضانية باللحمة، إلى جانب وجبة “الإنجيرة” بالمرق والإدام   الذي يدخل في مكونه غالبا  القرع “الدبة” او البامية “العاواب” والملوخية، إلى جانب السمبوسة، المشبك والليقيمات وعصير الليمون، فضلا عن القهوة الشاي، والقشر، أما العدس والحمص و”الشرو” والبطاطس أو “الدنش” فيستبعد كليا من المائدة الرمضانية، لجهل الاغلبية بفوائد البقوليات  الغذائية.  عموما .. 

وإلى جانب الوجبة التقليدية للسحور هنالك  “الإكلت” أو العصيدة بالسمن البلدي والذبادي “الرقئو” أو “الحقان” (البن الرائب) علما أن العصيدة تُعد وجبة رئيسية في السحور وتتشارك في تناولها جميع الأسر بفئاتها المختلفة طوال الشهر الفضيل، كما يعتبر “الكلع” (قدر من الفخار) فضلا عن الأثافي أو “الأتافي” و”الموكس” (عصا خشبية لتحريك مكون العصيدة) وهي من أدوات المطبخ الإريتري التقليدي.

ومن المظاهر الرمضانية الأخرى, تقليد شرب “سنا” أو “سنوا” (عشبة برية تتميز بخاصية تليين المعدة وتكافح عسر الهضم، حيث يتناول افراد الأسرة مجتمعين خلاصة مغلي “السنا” قبل حلول الشهر الكريم بأسبوع أو حوله، وقد يسبق الخطوة شرب فنجان من السمن البلدي صباحا على الريق لترطيب المعدة وتسليك القولون، أما ماتبقى من أيام شهر شعبان هي بمثابة أعياد خاصة عند الصغار، حيث يترقب الكل هلال شهر رمضان بفرحة عارمة، وفي اليوم الموعود يترقب الجميع مقدم الضيف العزيز والوافد الكريم حيث تتسمر الأعين صوب منارة المسجد الكبير التي تضيء سماء المدينة بألوانها الخضراء والصفراء الزاهية إيذانا بثبوت رؤية الشهر الكريم ..

عندها تهنئ الأسر بعضها البعض، وتتهيأ ربات البيوت لإعداد وجبة السحور التقليدية “الإكلت” في الغالب، فيما يستعد المسحراتية المعتمدين في تجهيز أدواتهم التقليدية (الطبلة والفانوس أبو جاز “الكروسين”) وللمسحراتية قوانينهم وأنظمتهم التي يتقيدون بها، ولكل حي مسحراتي خاص به ومنطقة تحرك،  وينطلقون في الغالب قبل أذان الفجر بوقت كاف لتنبيه الناس بموعد السحور، ولكل واحد منهم أسلوبه وصوته المميز وحتى نوعية الأهازيج والمواويل والأناشيد التي يتغنون بها، كقولهم “أصحى يا نايم وحد الدايم” و أسحروا يا عباد الله” وأحيانا ينادون رب المنزل بأسمه “أصحى يا فلان أو موعد السحور ياعلان” وهكذا، وغالبا ما  ترافقهم جوقة أطفال الحارة الذين يتبعون المسحراتي في مراحل جولته وحتى انتهاء مهمته الإنسانية الخيرية ..

ومن أشهر المسحراتية، سالم اليماني، العم أبو إدريس بخيتاي، محمد صالح عوالي وعثمان حيلا وأخرين ..!!

حقيقة كانت أيام جميلة مقرونة بذكريات الصطفولة والصبا، وستبقى كذلك ما حيينا ..!!

About The Author

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *